دولي

من هو الطرف الذي سيدفع ثمن هذه الإجراءات؟ : عزل ترامب وخسائر الديمقراطيين

رغم يقين الحزب الديمقراطي الأمريكي أن توجيه الاتهام للرئيس دونالد ترامب بإساءة استخدام سلطات منصبه وعرقلة عمل الكونجرس لن يؤدي في النهاية إلى عزله، وأن هذا الأمر برمته سوف ينتهي في مجلس الشيوخ دون نتيجة، إلا أن الديمقراطيين واصلوا طريقهم في إجراءات العزل.
ويطرح هذا الإصرار أسئلة تتعلق بأهداف الديمقراطيين من هذه العملية؟ ومن هو الطرف الذي سيدفع ثمن هذه الإجراءات؟ وكيف يتابع المواطن الأمريكي هذا السيناريو الذي بدأ في 24 سبتمبر 2019 وقد يستمر حتى مارس المقبل؟
تشير كل الشواهد أن الديمقراطيين وليس الرئيس ترامب هم من سيدفعون ثمن هذه الإجراءات التي تهدف لعزل الرئيس على جميع المستويات سواء في الانتخابات الرئاسية أو التجديد النصفي لعدد من الأسباب وهي:
أولاً: التشويه وليس العزل
هناك شبه إجماع في الشارع الأمريكي أن الديمقراطيين لن يستطيعوا أن يعزلوا الرئيس ترامب لعدد من الأسباب منها أن هناك انقساما واضحا في النخبة السياسية الأمريكية حول قضية العزل، وأن التصويت في لجنة المخابرات واللجنة القضائية، ثم في مجلس النواب تم على « أساس حزبي »، بمعنى أن الحزب الجمهوري لم يشهد « تمرد » نائب واحد على الرئيس في مجلس النواب؛ لأن هناك قناعة كاملة لدى الجمهوريين بأن الرئيس لم يرتكب ذنباً، وأن المحاكمة « سياسية » بامتياز، فإذا كان الديمقراطيون فشلوا في الحصول على صوت جمهوري واحد في مجلس النواب الذي يسيطرون عليه، فكيف يمكن أن يتمرد 20 نائباً جمهورياً في مجلس الشيوخ الذي يتمتع الجمهوريون فيه بالأغلبية؟
ويحتاج عزل الرئيس لموافقة الثلثين، وهذا مستحيل في الوقت الحالي في ظل رئاسة شخصية موالية لترامب وهو سيناتور ولاية كنتاكي ميتش ماكونيل، كما أن ترامب تلقى يوم تصويت مجلس النواب على توجيه الاتهامات دعم غير مسبوق من جميع نواب الحزب الجمهوريين في مجلس الشيوخ، وهنا ما أكد لكثير من قطاعات الشعب الأمريكي أن الهدف من هذه العملية هو « التشويه » والتأثير السلبي على ترامب في الانتخابات المقبلة، وكان واضحاً سعادة الديمقراطيين بمجرد إدراج ترامب ضمن الذين تعرضوا للمساءلة في التاريخ الأمريكي بجانب أندرو جونسون وبيل كلينتون.
ثانياً: تغطية وتغمية
وكشفت استطلاعات الرأي التي جرت خلال السنوات الثلاث الماضية عن أن حديث الديمقراطيين عن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 6 نوفمبر عام 2016، ثم رفع سقف الاتهامات فيها إلى الاتصال بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هو « تغطية وتغمية » على « أخطاء الديمقراطيين ».
فالقضية الرئيسية عام 2016 هي « التواطؤ » من مؤسسة الحزب الديمقراطي مع المرشحة هيلاري كلينتون ضد منافسها في الحزب بيرني ساندرز، فالأرقام قالت إن بيرني ساندرز هو الذي فاز بثقة ناخبي الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية وليس كلينتون، وبدلاً من تركيز الديمقراطيين على تطهير أنفسهم من هذا الخطأ الجسيم حاولوا الهروب للأمام بالحديث عن التدخل الروسي في تسريب هذه المعلومات عن تواطؤ الحزب الديمقراطي.
وأضعف تجاهل الديمقراطيين لهذه القضية ثقة الناخب الأمريكي في مؤسسات الحزب الديمقراطي، لذلك لم يخسر الديمقراطيون منصب الرئاسة فقط، بل خسروا أيضاً أغلبية حكام الولايات والكونجرس.
وتكرر الأمر نفسه في قضية الاتصال بين الرئيس ترامب والرئيس الأوكراني، فجوهر القضية هي شبهة الفساد لنجل نائب الرئيس جو بايدن (المرشح الديمقراطي المحتمل في الانتخابات الرئاسية) الذي حصل على منصب في شركة باريزما الأوكرانية أثناء تولي بايدن منصب نائب الرئيس في إدارة باراك أوباما.
لكن الديمقراطيين حاولوا التغطية على هذه القضية مرة جديدة من خلال إجراءات عزل ترامب، ولذلك فإن هذه السياسة أضرت جو بايدن أكثر بكثير من ضرر الرئيس ترامب، فقبل البدء في إجراءات العزل كان بايدن يتفوق على منافسيه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بفارق كبير، لكن مع كثرة حديث وسائل الإعلام الأمريكية عن العزل، وارتباط كل ذلك بقضية نجل بايدن، أدى كل ذلك لتقليص الفارق بين بايدن وباقي المرشحين، بل هناك أكثر من استطلاع تفوقت فيه إليزابيث وارن وبيرني ساندرز على جو بايدن.
ويمثل تقدم منافسي بايدن أكبر خسارة يمكن أن تلحق بالحزب الديمقراطي، حيث إن برامج إليزابيث وارن وبيرني ساندرز اليسارية وخطة وارن لرفع الضرائب على الأغنياء أدت لتراجع حاد في تبرعات الأغنياء للحزب، وهو المؤشر الأول لفوز أو خسارة الحزب في الانتخابات الرئاسية وانتخابات التجديد النصفي.
ثالثاً: تلاشي القاعدة الانتخابية
كشفت إجراءات العزل عن أن القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب « صلبة للغاية »، كما قالت الكثير من استطلاعات الرأي إنه سوف يفوز بنتيجة كبيرة على أي ديمقراطي من المرشحين الثلاثة الكبار وهم جو بايدن وإليزابيث وارن وبيرني ساندرز، لو أجريت الانتخابات هذا الأسبوع، وهذا ما دفع الحزب الديمقراطي لاستدعاء مايكل بلومبيرج للترشح عن الحزب بعد أن أدرك الديمقراطيون فشل الرهان على الفرسان الثلاث بايدن ووارن وساندرز.
وبتحليل الصورة لأي تجمع انتخابي سيكتشف المشاهد أن الآلاف ينتظرون ترامب منذ الساعات الأولى للبدء في أي حملة انتخابية على مستوى الولايات، بينما يكافح منافسوه لجمع العشرات أو المئات من أجل تصوير فيديو لتحميله على وسائل التواصل الاجتماعي.
رابعاً: خسارة أغلبية مجلس النواب
ربما أكثر الخسائر التي تنتظر الحزب الديمقراطي هي خسارة الأغلبية البرلمانية في مجلس النواب في الانتخابات المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2020، لأكثر من سبب يأتي في مقدمتها أن كثيرا من الناخبين الأمريكيين في الولايات التي يمثلها حالياً نواب ديمقراطيون دعموا ترامب في انتخابات عام 2016، وحاول كثير من النواب عدم استكمال إجراءات العزل، لكن مؤسسة الحزب الديمقراطي أجبرتهم على هذا التصويت؛ لذلك رفض 3 نواب ديمقراطيين التصويت لصالح إجراءات العزل، بل إن النائب الديمقراطي جيف فان درو هدد بالانتقال من الحزب الديمقراطي للحزب الجمهوري اعتراضاً على إجراءات المساءلة، وهذا يؤكد أن كثيرا من النواب الديمقراطيين المعتدلين تعرضوا لضغوط هائلة للتصويت لصالح المساءلة بما سينعكس سلباً على وحدة الحزب في الفترة المقبلة.
خامساً: عزل دون تحقيق مستقل
هذه هي إجراءات العزل الأولى في التاريخ الأمريكي التي تقودها سياسيات حزبية من دون تحقيق مستقل، فعدم وجود محقق مستقل على غرار تحقيق روبر مولر أضعف الثقة بأدلة الحزب الديمقراطي، كما أن نشر البيت الأبيض لنص المكالمة مع الرئيس الأوكراني جعل الرأي العام الأمريكي غير واثق في مزاعم الديمقراطيين، وكثير من نواب الحزب الديمقراطي صوتوا لصالح توجيه الاتهامات لترامب من زاوية الالتزام الحزبي أكثر منه اقتناعاً بالأدلة.
وكشف هذا الأمر عن أن الديمقراطيين ما زالوا يأملون في الحصول على شهادات أكثر « وضوحاً » في مجلس الشيوخ، وهو ما يعني عدم الثقة الكاملة في الأدلة المطروحة حتى الآن، وهذا لن يكون متاحا في مجلس الشيوخ بسبب توافق زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل مع السناتور لينزي جرهام على إجراء محاكمة سريعة، الأمر الذي جعل مجلس النواب في نظر كثيرين لم يقوم بواجبه بجمع الأدلة، والاستماع إلى شهود يثبتون التهم التي وجهها الديمقراطيون إلى الرئيس.
سادساً: ماذا حقق الديمقراطيون؟
في الوقت الذي راهن فيه الديمقراطيون منذ دخول ترامب البيت الأبيض على عرقلته وتشتيت جهوده إلا أن الأرقام تقول إن الاقتصاد في أحسن حالاته، ومبيعات التجزئة في أعلى مستوياتها وهي التي تعكس القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي، كما أن بيانات الوظائف كشفت عن أن الطلب على إعانة البطالة هو الأقل في آخر 49 عاماً.
وفي الوقت الذى يتفاخر الرئيس ترامب بعودة الروح لمصانع ما يسمى « ولايات الصدأ » التي أغلقت مصانعها في عهد أوباما، وبتصحيح الخلل التجاري مع المكسيك وكندا والصين واليابان، وسط كل ذلك لا يجد الديمقراطيون أي شيء يقدمونه إلا المشاحنات السياسية التي أضرت بصورة البلاد، وعطلت كثيرا من الطاقات، وأن الثمرة الوحيدة لسياسات الديمقراطيين هي تأجيج التوترات الحزبية في بلد يعيش انقسامات عميقة.
ختاما يمكن القول إن الديمقراطيين تكبدوا خسائر كبيرة خلال إجراءات العزل، وهو ما يلمسه الجميع في ورطتهم في البحث عن شخصية تقارع ترامب في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في نوفمبر 2020.

Leave a Reply