دولي

القاعدة التركية في طرابلس : الأهداف المستترة

في الوقت الذي صادق فيه البرلمان التركي على مذكرتى التفاهم حول ترسيم الحدود البحرية، وتعزيز التعاون الأمني مع ليبيا، جدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده لنشر قوات عسكرية فى ليبيا، تمهيداً – وفقاً لتسريبات- لإنشاء قاعدة عسكرية في طرابلس، كالتي أنشأتها في الدوحة، قبل أكثر من عامين.
وبحسب وسائل إعلام تركية، فإن أنقرة أكملت دراسات الجدوى اللازمة للقاعدة العسكرية فى طرابلس، وتعمل حالياً على التجهيزات اللازمة تمهيداً لإرسال القوات العسكرية ومستلزماتها إلى ليبيا، وذلك بعد توقيع مذكرتي تعاون أمني وعسكري مع حكومة الوفاق.
وتعززت التكهنات بشأن إنشاء القاعدة التركية، بعدما أكدت صحيفة « يني شفق » التركية في تقرير منشور لها، أن الحكومة طلبت من القوات المسلحة التركية تجهيز السفن والطائرات الحربية استعداداً لنقل القوات التركية إلى ليبيا، مؤكدة أن عملية النقل إلى مدينة طرابلس بدأت، والسفن التي ستقوم بنقل الطائرات المسيرة والدبابات والقوات الخاصة ووحدات الكوماندوز التابعة لقيادة مجموعة الهجوم تحت الماء باتت جاهزة.

أهداف متعددة
تسعى تركيا عبر تعزيز وجودها العسكري في ليبيا إلى تحقيق عدة أهداف، يمكن بيانها على النحو الآتي:
تمديد النفوذ:
يعكس التوجه التركي نحو تعزيز نفوذه العسكري في ليبيا الإصرار على محاولة تشريع تمدد تركيا في ليبيا، لكن عبر غطاء قانوني إضافة إلى حماية خططها في البحر المتوسط في مواجهة أطراف إقليمية، تضم مصر واليونان وقبرص وإسرائيل. لذا تحرص تركيا على دعم حكومة السراج التي تحظى بدعم من مليشيات مصراتة القريبة من أنقرة، والتى تشير بعض التقديرات إلى وجود ما يقرب من 20 و30 ألف مقاتل فيها.
وتعتبر مصراتة بوابة الدعم التركي اللوجستى والعسكري للمليشيات التابعة للسراج. على صعيد متصل كشفت بعض المصادر الليبية عن أن طائرات أوكرانية تقوم برحلات جوية بين تركيا وليبيا، وعلى متنها أسلحة ومعدات من تركيا إلى حكومة فايز السراج.
موازنة الأدوار الدولية: يترافق الحديث التركي عن إنشاء قاعدة في طرابلس مع تصاعد الانخراط من الأطراف الدولية والإقليمية بشكل مباشر وغير مباشر في الأزمة الليبية، وخاصة روسيا التى تتدخل بشكل مباشر في الأزمة الليبية، ودعمها قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.
في هذا السياق العام، تستهدف أنقرة تعزيز وجودها عسكريا في ليبيا خشية الدور المؤثر لبعض القوى الدولية مثل روسيا التى قد يكون تدخلها عاملاً أساسيا في تغيير قواعد اللعبة فى ليبيا، ناهيك عن موقف الإدارة الأمريكية، الذي ظهر في مهاتفة دونالد ترامب للمشير حفتر، وهو ما تعتبره أنقرة دعما غير مباشر له.

الهيمنة على الغاز:
تسعى تركيا للهيمنة على الغاز في شرق المتوسط قبالة السواحل القبرصية، وتعزيز نفوذها في المنطقة، وتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب. وتصاعدت حدة التوترات بين تركيا، ودول شرق المتوسط بسبب الاكتشافات الغازية، التي قدرت دراسة صادرة عن هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية في 2010 حجم احتياطي الغاز في حوض شرق البحر المتوسط بنحو 345 تريليون قدم مكعب من الغاز، ويحتوي هذا الحوض أيضا على كميات ضخمة من الاحتياطيات النفطية تبلغ 3,4 مليار برميل من النفط، إلى جانب كميات كبيرة أيضا من سوائل الغازات.

والأرجح أن ثمة مصالح معقدة تقف وراء سعى تركيا للانخراط في الأزمة الليبية، فبالإضافة إلى تعويض فقرها من مصادر الطاقة، ترغب تركيا في تعزيز مكانتها كمركز عالمي لنقل الطاقة من خلال سيطرتها على الغاز الذي يحيط بالسواحل الليبية. وفي هذا السياق، وقعت تركيا اتفاقية مع حكومة السراج حول مناطق السيادة البحرية في المتوسط.
تحويل انتباه الأتراك:
الحديث بكثافة عن توجه أنقرة لإنشاء قاعدة عسكرية في طرابلس يستهدف في جوهره تحويل انتباه الأتراك عن محنتهم الاقتصادية إلى قضايا خارجية، خاصة مع الفشل في محاصرة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا منذ ما يقرب من عامين، بالنظر لعدم كفاءتها في تحقيق الأهداف المتعلقة بإنقاذ العملة المحلية التي فقدت 30 في المئة من قيمتها أمام الدولار.

وأكد صندوق النقد الدولي في بيان له في سبتمبر/أيلول الماضي، أن تركيا لا تزال عرضة لمخاطر خارجية ومحلية وأنه سيكون من الصعب تحقيق نمو قوي ومستدام إذا لم تنفذ الحكومة مزيداً من الإصلاحات. وفي تقرير لها العام 2018 ألمحت وكالة بلومبرج إلى استمرار حدة الأزمة الاقتصادية التركية لفترات طويلة بفعل التراجع الحاد في قيمة العملة الوطنية.

تعظيم المصالح:
تستهدف تركيا من تأسيسها قاعدة عسكرية جديدة في طرابلس تحقيق مجموعة من الأهداف، أولها الرغبة في فتح أسواق جديدة للأسلحة التركية التي تنتجها أنقرة، فقد ارتفعت الصناعات العسكرية التركية في عام 2017 لتصل إلى أكثر من ستة مليارات دولار، يذهب جانب معتبر منها للتصدير إلى مناطق الصراعات، وبخاصة لحكومة فايز السراج في ليبيا، وهو ما ينعكس على الاقتصاد التركي الذي يعاني تراجعاً غير مسبوق بشكل إيجابي.
كما تمثل الأوضاع في ليبيا سوقاً مهماً لاختبارات السلاح التركي، ويرتبط الهدف الثاني من إنشاء القاعدة العسكرية في طرابلس بسعي تركيا لتمكين التيارات الموالية لها على الأرض، بهدف وضعها على رأس السلطة في ليبيا، وهو ما يعنى ضمان الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من مشاريع إعادة الإعمار في ليبيا.

ملامح كاشفة
ثمة حرص تركي على تعزيز نفوذها العسكري في ليبيا، وهو ما كشفت عنه تصريحات ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أكد في تصريحات له قبل أيام « أن ليبيا باتت تحت مسؤولية تركيا، وذلك بموجب مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس التركي ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج ».
في المقابل، يعتبر أردوغان أنه على تركيا مسئولية تاريخية تعطيها الحق في التدخل في شئون دول الإقليم، وبناء على هذا يمكن فهم تصريحات أردوغان في أكتوبر/تشرين الأول 2019، عندما اعتبر أن التدخل التركي في ليبيا نابعًا من كونها « إرث أجداده، وجغرافيتها جزء من الإمبراطورية العثمانية ».كما يعتبر أردوغان أن تدخله في شئون الدول العربية تأتي من اعتبارات المسئولية التاريخية لتركيا.

خلف ما سبق، اتجهت تركيا طوال الشهور التي خلت إلى تكثيف إمداداتها العسكرية إلى ليبيا، وظهر ذلك في دعمها حكومة السراج ومليشيات طرابلس في مواجهة عملية الفتح المبين الذي أطلقها الجيش الليبي في أبريل/نيسان 2019 لتحرير طرابلس.

وتزامناً مع إقرار مجلس الأمن بالإجماع في يونيو/حزيران 2019، تمديد حظر توريد السلاح إلى ليبيا، وتفتيش السفن المتجهة إلى البلاد « وصلت شحنة جديدة من الأسلحة إلى ميناء مصراتة الليبي، مقبلة من أحد الموانئ التركية خلال العاشر من يونيو/حزيران 2019.

ومنذ شهر أبريل/نيسان 2019، أعلنت تركيا « بشكل واضح وصريح أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقدم دعم بلاده لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ويشمل ذلك الدعم العسكري الذي قد يغير من موازين القوى على الأرض.

Leave a Reply