دولي

جنوب أفريقيا : لماذا تتصاعد موجات العنف ضد المهاجرين الأفارقة؟

بين الفينة والأخرى تضرب دولةَ جنوب أفريقيا موجة عنف وأعمال شغب ضد الأجانب، لا سيما المهاجرين ذوي الأصول الأفريقية، كان آخرها ما شهدته البلاد قبيْل شهرين، وتحديدًا مطلع سبتمبر 2019، من أعمال عدائية استمرت 3 أيام، واستهدفت المهاجرين الأفارقة.مما أفضى إلى سقوط نحو 7 قتلى وتوقيف الأجهزة الأمنية لنحو 300 شخص مُشتبه بضلوعهم في أعمال الشغب وعودة ما يربو على الـ600 مهاجرًا نيجيريا إلى موطنهم الأصلي، فضلًا عن تدمير عشرات المتاجر وحرق شاحنات يقودها سائقون أجانب.
ولم تكن تلك الموجة هي الأولى من نوعها، فمنذ مارس 2019، قُتِل عشرات من سائقي الشاحنات في هجمات استهدفت المهاجرين الأجانب كما شهد عاما 2008 و2015 موجات عنف مماثلة.
وفي هذا السياق، ألقى مقال نُشِر على موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بعنوان « ماذا وراء العنف في جنوب أفريقيا؟ » للخبير بالشؤون الأفريقية « جون كامبل » الضوء على المحرِّك الرئيسي لنزعة استعداء أو رُهاب الأجانب xenophobia، والتي تظهر في صورة موجات عنف دموية تشهدها البلاد.
وطرح المقال أيضاً معضلة رئيسة جديرة بالبحث والنقاش ألا وهي كيفية المواءمة أو التوفيق بين التعامل الأمني أو الشُرطي للوقف الفوري لأعمال العنف التي تستهدف الأجانب ومصالحهم، والحيلولة دون تغذية أو تأجيج مشاعر عدائية لمواطني جنوب أفريقيا ضد أجهزة الأمن.

البطالة.. أهم أسباب العنف

ارتأى الكاتب أنَّ البطالة تأتي في صدارة العوامل المحفِّزة لتصاعد حدة العنف ضد المهاجرين الأفارقة في جنوب أفريقيا، خاصة أنَّه يُنْظر إلى أولئك المهاجرين باعتبارهم حازوا على فرص عمل كان من الممكن أنْ يحصل عليها المواطن، وبالتالي « استعداء » المهاجر باعتباره يقتنص فرص عمل قلما تتوافر للشباب من أبناء جنوب أفريقيا، والتي تشهد معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى 30% في أوساط الرجال.ولذا فإن المحرِّك الرئيسي لموجات العنف التي تشهدها جنوب أفريقيا هو اقتصادي بالأساس. وتشكِّل المتاجر التي يمتلكها المهاجرون الوافدون من كلٍّ من نيجيريا وزيمبابوي والصومال وغيرها من دول أفريقيا جنوب الصحراء ويديرون أعمالًا تجارية تبدو محدودة النشاط في كثير من الأحيان، الهدف الرئيسي الذي اعتادت جموع المحتجين في جنوب أفريقيا على مهاجمته.
وقد أشار المقال بصفة رئيسة إلى أعمال الشغب والتخريب للمحلات التجارية المنتشرة في جوهانسبيرج، أكبر مدن جنوب أفريقيا، ويقطنها قرابة الـ4 ملايين وافد أجنبي؛ ولذا تشهد موجات شغب وعنف أكثر حدة إذا ما قورنت بغيرها من المدن مثل كيب تاون، التي تقل فيها أعداد الأفارقة المهاجرين إلى جنوب أفريقيا، وتكاد تختفي الأعمال العدائية ضد الوافدين الأفارقة تمامًا في المناطق الريفية؛ كونها لا تشكِّل مناطق جذب للمهاجرين من الدول الأفريقية المجاورة.
وقد ألقى الباحث الضوء على العلاقة الارتباطية بين تفاقُم معدلات العنف والجريمة في جنوب أفريقيا بشكل عام ومعدلات العنف ضد المهاجرين الأفارقة.فالمتابع لتطوُّرات المشهد السياسي في جنوب أفريقيا سيجد أنَّ المقاطعات أو البانتونات، التي جرى تشييدها في الماضي بما يخدم أهداف سياسة الفصل العنصري بين الجماعتيْن البيضاء والسوداء، وكانت معقلًا للنضال ضد النظام الحاكم، تشهد تكريسا لثقافة التمرد ومعارضة النظام حتى وقتنا الراهن، ومن ثم تشهد تلك المناطق ارتفاعًا في معدلات جرائم القتل بما في ذلك الجرائم الموجَّهة بالأساس ضد المهاجرين الأفارقة.

الموقف الحكومي والأممي

فيما يتصل بالموقف الرسمي إزاء تصاعد أعمال الشغب والعنف ضد المهاجرين الأفارقة، فإنَّه دائمًا يأتي على شكل الاعتذار الرسمي الذي يقدِّمه رئيس الدولة سيريل راموفسا وجولاته عبر القارة الأفريقية في سعيه نحو احتواء الموقف، الذي ينعته دومًا بكراهية أو رُهاب الأجانب، الذي فجَّر الغضب في ربوع القارة الأفريقية.ففي نيجيريا، على سبيل المثال، نشطت العديد من الدعوات في سبتمبر الماضي للعنف؛ ولذا جرى تشديد الرقابة على المتاجر التي يمتلكها الجنوب أفريقيون العاملون في نيجيريا، وتكثيف الوجود الأمني في محيط المركز التجاري « جابي لايك »، وسط العاصمة أبوجا، والذي يضم متجرًا كبيرًا تابعًا للعلامة الجنوب أفريقية « شوبرايت ».وكانت هناك محاولات لاقتحام وتخريب متجريْن لهذه العلامة التجارية في مدينة لاجوس، كما أعلنت شركة « إم تي إن » الجنوب أفريقية للاتصالات إغلاق متاجرها بشكل مؤقت في نيجيريا كإجراء احترازي.
وفي هذا السياق، أوضح الكاتب أنَّ السياسة الخارجية لدولة جنوب أفريقيا تواجه تحديًا كبيرًا في عهد « رامافوسا » على خلفية أعمال الشغب والعنف ضد مهاجري الدول الأفريقية، خاصةً إذا كانت الصورة الذهنية التي خلَّفها نظام الأبارتيد في جنوب أفريقيا، واستمر حتى تسعينيات القرن الماضي، لم تكن جيدة بالمرة مما أفضى إلى قطيعة دبلوماسية واقتصادية فُرِضت من قِبل الدول الأفريقية لإسقاط نظام الحكم الأبيض.
بالتالي، فإنَّ استمرار موجات العنف ضد المهاجرين الأفارقة وتصاعُد حدتها من حين لآخر يفضيان إلى تكريس تلك الصورة باعتبار جنوب أفريقيا تستعدي جيرانها الأفريقيين وتميِّز ضدهم.
ولم يكن بمستغرب كذلك أنْ تعلن وزارة خارجية جنوب أفريقيا في سبتمبر المنقضي إغلاق سفارتها في أبوجا وقنصليتها في لاجوس بصفة مؤقتة في أعقاب تلقِّيها تهديدات بعمليات انتقامية ردًّا على أعمال العنف التي استهدفت مهاجرين نيجيريين في جنوب أفريقيا.
فضلًا عن ذلك، استدعت نيجيريا سفيرها في جنوب أفريقيا للتشاوُر بشأن موجة العنف التي تشهدها جنوب أفريقيا ضد الأجانب بشكل عام لا سيما المهاجرين من أصول أفريقية، وكان ذلك بمثابة مؤشر واضح على توتر العلاقات بين الدولتيْن على خلفية موجات العنف المتصاعدة ضد المهاجرين.
وامتدت ردود الأفعال على المستوييْن الرسمي والشعبي لتطال زامبيا، حيث تظاهر ألف طالب في الشهر ذاته أمام سفارة جنوب أفريقيا في لوزاكا؛ تعبيرًا عن سخطتهم إزاء ما يحدث، ورفعوا لافتات كُتب عليها « لا لكراهية الأجانب ».
أما على المستوى الرسمي، فقد دعا رئيس زامبيا إيدجار لونجا جنوب أفريقيا إلى وضع حد لمجزرة المهاجرين الأفارقة، والحيلولة دون وصول موجات العنف إلى حد الإبادة الجماعية. وفي زيمبابوي، طالب الرئيس إيمرسون ماناناغاغوا دولة جنوب أفريقيا ببذل الجهود من أجل وقف فوري لكل أشكال العنف التي تغذيها مشاعر العداء للأجانب.
وبالنسبة لموقف المنظمات الدولية من موجات العنف المتفاقمة التي يتعرَّض لها المهاجرون الأفارقة في دولة جنوب أفريقيا، ارتأى الكاتب أنَّ دور الأمم المتحدة غير واضح في هذا الشأن؛ ذلك لأنَّ وضعية المهاجرين الأفارقة القاطنين بجنوب أفريقيا لا تتطابق مع وضعية المهاجرين غير النظاميين أو اللاجئين بحثًا عن مأوى.فأولئك المهاجرون، وإنْ دخلوا إلى جنوب أفريقيا بطريقة غير نظامية، فهم باحثون عن عمل وظروف معيشية أفضل بالأساس، وترتبط حركتهم جيئةً وذهابًا بالظروف الاقتصادية في بلدانهم الأصلية.
ومن هنا، فإنَّ الأمم المتحدة أو المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لا تملك حصرًا دقيقًا لعددهم أو إمكانية التدخُّل لحمايتهم عن طريق بناء مخيمات أو ما شابه ذلك حال وقوع عنف ضدهم.
واستشهد الكاتب على ذلك بملابسات عودة ما يربو على الـ600 مهاجرًا في جنوب أفريقيا إلى موطنهم في دولة نيجيريا إثر أحداث العنف الدامية التي شهدتها البلاد؛ إذ تم نقلهم بطائرة خاصة لمليونير نيجيري، ولم تنقلهم طائرات أي منظمة تابعة للأمم المتحدة أو طائرة تتبع أيًّا من الحكومتيْن النيجيرية أو الجنوب أفريقية.
وختامًا، أكَّد الكاتب المتطلب الأهم لاحتواء موجات العنف المتكررة التي تستهدف المهاجرين في جنوب أفريقيا، ألا وهو التعامل الأمني والشُرطي؛ ذلك لأنَّ العنف بحد ذاته هو ثقافة جرى تكريسها في وجدان المواطنين في جنوب أفريقيا عبر عقود طويلة شهدت نضالًا مسلَّحًا ضد نظام الأبارتيد، الفصل العنصري بين البيض والسود.

وبالتالي، تُعَد المواجهة الأمنية هي الخيار الأفضل للتعامُل والوقف الفوري لتلك الأعمال العدائية ضد الأجانب بصفة عامة ومحاسبة مرتكبيها.
بيْدَ أنَّ الكاتب تطرَّق أيضًا في خاتمة مقالة إلى إشكالية رئيسية ألا وهي كيفية الموائمة بين الحل الأمني، كخيار أمثل للوقف الفوري والعاجل لكل أعمال الشغب والعنف ضد الأجانب، والحيلولة دون تغذية مشاعر استعداء الأجهزة الأمنية لدى المواطنين في جنوب أفريقيا.إن حل هذه المعضلة، من وجهة نظر الكاتب، يرتكز بشكل جوهري على إيجاد حلول جذرية تتعامل مع جذور ثقافة العنف في جنوب أفريقيا، التي تغذيها معدلات الفقر والبطالة المتزايدة والتفاوت الشديد في توزيع الدخل والفساد السياسي، وليس حلولًا مؤقتة أو فورية تُوقِف موجة العنف في حينها لتعقبه موجة أكثر ضراوة ودموية.

Leave a Reply