دولي

احتجاجات فرنسا 1995 و2019.. : تشابهات واختلافات

تتشابه الاضطرابات التي تضرب فرنسا منذ 13 يوما؛ احتجاجا على خطط إصلاح نظام المعاشات التقاعدية التي طرحها الرئيس إيمانويل ماكرون، مع مظاهرات مماثلة عمت البلاد قبل أكثر من عقدين.
المفارقة أنه رغم مرور 24 عاما على اندلاع المظاهرات في ديسمبر 1995، يأتي شهر ديسمبر 2019 وقد حمل موجة أخرى من الاضطرابات، ورغم أن الأحداث التي شهدها هذان التاريخان تتشابه من حيث الأسباب ودوافع التظاهر والإضراب والاحتجاج؛ فإن النتائج مرشحة للاختلاف إلى حد كبير.
في ديسمبر عام 1995، إبان عهد الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك ورئيس حكومته آنذاك « آلان جوبيه »، خرج مئات الآلاف في مظاهرات عمّت البلاد ودخلت العديد من المرافق الحيوية في إضراب.
واستمرت المظاهرات والإضرابات ما يقرب من 3 أسابيع وقدر عدد المشاركين فيها بما يقرب من 2 مليون مواطن، احتجاجا على خطة « آلان جوبيه » التي كانت تقضي بإصلاح نظام التأمين الصحي والاجتماعي وإصلاح نظام المعاشات.
وباتساع هذه المظاهرات واستمرارها قدم جوبيه استقالته، رغم أن خطته كانت تندرج في إطار الوعد الرئاسي الذي قدمه شيراك خلال الحملة الانتخابية بمعالجة « الأزمة الاجتماعية »، وبلغ عدد أيام الإضراب عن العمل 4 ملايين يوم عمل إضراب في الوظيفة العامة ومليون يوم إضراب في القطاع الخاص.
وفي يوم 5 ديسمبر الجاري، نظمت النقابات العمالية التابعة للأحزاب السياسية والمستقلة مظاهرات حاشدة للمواطنين والمهنيين والعمال وشاركت فيها قطاعات السكك الحديدية والمترو.
وقدر عدد المتظاهرين فيها وفقا لمصادر الأمن بـ806 آلاف شخص وظهرت حركة إضرابات عمالية في معظم مرافق الدولة أصابت فرنسا بالارتباك، وذلك احتجاجا مرة أخرى على عزم الحكومة على إصدار تشريع حول تعديل نظام المعاشات في فرنسا فيما سمى نظام التقاعد الموحد والوطني الشامل، كبديل لأنظمة التقاعد المختلفة المعمول بها الآن في فرنسا والتي يبلغ عددها 42 نظاما مختلفا.
ويكفل التشريع المقترح توحيد نظام المعاشات بالنسبة لكل الموظفين في الدولة والعاملين في القطاع الخاص والمهنيين والمستقلين من جميع الفئات وتطبيق قواعد ومعايير موحدة تتركز في نظام النقاط التي تتحدد قيمتها فيما بعد.
الاقتراح التشريعي المزمع إصداره يندرج في إطار الوعد الذي قطعه الرئيس الفرنسي ماكرون أثناء حملته الانتخابية عام 2017 بتحقيق الإصلاحات الضرورية، والتي لم يستطع سابقوه من الرؤساء تحقيقها، خاصة مع النتيجة التي خلص إليها مجلس توجيه المعاشات بوجود عجز يتراوح بين 8 مليارات و17 مليار يورو في النظام الحالي.
الأسباب واحدة والنتائج قد تختلف
تشابه الأسباب، قد لا يترتب عليه بالضرورة نتائج متقاربة؛ حيث جرت مياه كثيرة تحت كل الجسور ما بين مظاهرات ديسمبر 2019 والشهر ذاته عام 1995 على الصعيد الداخلي الفرنسي وكذلك على الصعيد العالمي.
في عام 1995 كان دور النقابات العمالية من مختلف الأطياف لا يزال فاعلا ومؤثرا، وكانت هذه النقابات تمثل شريكا مهما للحكومة فيما يتعلق بتحديد العلاقة بين الإجراء وأصحاب الأعمال وبين الحكومة وبين موظفيها.
كانت هذه النقابات قوية وتحتفظ بحضور طاغٍ في الساحة النقابية والعامة، وتعبر عن جسم وسيط بين الدولة وبين العاملين وكانت قواعد الديمقراطية التمثيلية التي تتلخص في المفاوضات والتوصل إلى حلول وسط بهدف معالجة التناقضات في المصالح بين الأطراف الاجتماعية المختلفة، لا تزال فاعلة ومعتمدة من جميع الأطراف.
كذلك كانت الحركات الاجتماعية تحظى بتعاطف قوي من قِبل الرأي العام، وكانت أيضا موجات العولمة لا تحظى بذات القوة والزخم والانتشار المتسارع في إطار النيوليبرالية كما هي الآن، ولذلك اضطرت الحكومة إلى سحب مشروعها واستقالة رئيسها.
بينما أن الحال في ديسمبر الجاري يبدو مختلفا إلى حد كبير؛ فثمة أولا ضعف دور النقابات العمالية وتقلص تأثيرها في ظل صعود ماكرون وحركة إلى الأمام وقدرتها على تجاوز الأطر الحزبية التقليدية وتفوقها على الأحزاب التقليدية.
وأصبح حاليا في مقدور الحكومة الفرنسية والرئيس تجاهل المنظمات النقابية والشركاء الاجتماعيين الآخرين وإهمال الإنصات لأصوات هذه المنظمات النقابية.
من ناحية ثانية، فإن هذه المعطيات الجديدة قد جعلت الرأي العام الفرنسي يفقد ثقته التقليدية بالمنظمات النقابية؛ ففي أحد استطلاعات الرأي أعرب 62 بالمائة من المستطلع آراؤهم عن عدم ثقتهم بهذه المنظمات.
كما أن جزءا من هذه النقابات يوافق على بعض العناصر المضمنة في التشريع المقترح ولكنه يعترض على بعض العناصر الأخرى خاصة تلك المتعلقة بمد فترة الإحالة للمعاش حتى الرابعة والستين.
أما على صعيد الرئيس ماكرون والتشريع المقترح؛ فإن الكثيرين يرون أنه يلتزم بوعوده ولا يمكن محاسبة الرئيس لأنه التزم بوعوده بعد صعوده إلى الحكم، بل أن أهم ما يمتاز به الرئيس هو صدقه في التوجه إلى الإصلاح واعتقاده في ضرورته لفرنسا.
كما أن الرأي العام الفرنسي في أغلبه يوافق على ضرورة إصلاح نظام التقاعد وبنسبة بلغت في أحد استطلاعات الرأي العام 76%، في حين أن ثقة الذي استُطلعت آراؤهم بقدرة الحكومة على تحقيق ذلك لا تبلغ أكثر من 36%.
علاقات القوى ومصير التشريع
وعلى ضوء ما سبق فإن مصير التشريع المتعلق بإصلاح نظام التقاعد والمعاشات المقترح من الحكومة الفرنسية والذي قام بإعداده مسؤول هذا الملف في الحكومة بناء على توجهات الرئيس، يتوقف على علاقات القوى الراهنة في المشهد السياسي، بين النقابات العمالية بتأييد من اليسار واليمين المتطرف الذي لم يغِب عن مشهد الاحتجاج ضد ماكرون وحكومته.
كما يتوقف على الأطراف المختلفة المعنية بتطبيق القانون الذي لم يخرج إلى حيز النور بعد، وقدرة كل طرف على حشد التأييد لمطالبه وحمل الرأي العام على تأييدها وممارسة الضغط على الحكومة للتراجع عنه.
فمن ناحية هناك طرف المستفيدين من هذا التعديل والطرف الآخر المتضرر منه والمتمثل في وجود النظم التقاعدية المختلفة ذي المزايا المتعددة، علاقات القوى والتأثير والفاعلية بين هذه الأطراف وبين الحكومة والرئيس هي التي ستحدد مستقبل هذا التشريع في الإقرار والتطبيق.
الحكومة الفرنسية من ناحية تركز على ما يتضمنه المشروع من دعم قيم المساواة والعدالة في نظام التقاعد الموحد واعتماد قاعدة توزيع الأعباء بين العاملين الحاليين والمحالين إلى المعاش.
كما تبدي نيتها في تبني فترة انتقالية لتطبيق هذا التشريع، تسمح لنظم التقاعد المختلفة بالاندماج والذوبان في إطار القانون الجديد. كما أعلنت نيتها اعتماد أساليب مختلفة إزاء بعض الفئات من العاملين في بيئات خطرة، واستعدادها للتباحث والتفاوض مع ممثلي العاملين من جميع قطاعات الدولة والقطاع الخاص حول الأساليب الفنية وأنماط حساب قيمة النقاط التي تحسب في المعاش مقدرة باليورو.
نمط جديد للمظاهرات
منذ بداية حركة احتجاجات السترات الصفراء منذ ما يقرب من عام، والأساليب التي اعتمدتها في مظاهراتها، أصبح المشهد مفتوحا على نمط جديد من الاحتجاجات يعتقد المشاركون فيها أن القوة واستعراضها تجلب التنازلات والتراجعات من قبل الحكومة، والتي خصصت ما يقرب من 10 مليارات لاستيعاب تداعيات هذه الاحتجاجات.
ومن ثم فإن المشاركين في هذه المظاهرات الحالية يأملون في أن يعيد التاريخ نفسه أي تتراجع حكومة ماكرون عن هذا التشريع كما فعلت حكومة آلان جوبيه عام 1995. في حين أن الكثيرين ومن بينهم مؤيدو الحكومة والرئيس لا يأملون في ذلك والأمر برمته يتوقف على قدرة الأطراف على الصمود والحشد والتأثير في الرأي العام وممارسة الضغوط، خاصة أن توضيحات رئيس الحكومة حول التشريع لم تكن مقنعة للمتظاهرين، الذين قرروا الاستمرار في الاحتجاج والتصعيد حتى يتم الامتثال لمطالبهم والتراجع عن القانون.

Leave a Reply