دولي

مع صعود نجم جونسون : دلالات وتداعيات الانتخابات العامة المبكرة في بريطانيا

شهدت العملية السياسية البريطانية تطورا مهما مع إعلان نتائج الانتخابات العامة « المبكرة » التي يتحدد بناء عليها تكوين السلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد.
وأسفرت تلك الانتخابات عن فوز ساحق لحزب المحافظين بزعامة رئيس الوزراء بوريس جونسون الذي تمكّن من الحصول على 364 مقعدا، أو ما نسبته 43.6 بالمائة من المقاعد، فيما حصل حزب العمال المعارض على 203 مقاعد، ما نسبته 32.2 بالمائة. وحصل الحزب الوطني الاسكتلندي على 48 مقعدا، بنسبة 13.9%، فيما حصل الديمقراطيون الأحرار على 11 مقعدا، بنسبة 11.5 بالمائة.
وتتعاظم أهمية هذه الانتخابات ليس فقط بسبب تحديدها للفاعلين السياسيين في بريطانيا في المستقبل المنظور، وإنما بسبب ما تحمله نتائجها من دلالات وما يترتب عليها من تداعيات تمس ليس فقط مستقبل بريطانيا ولكن مستقبل المشروع الوحدوي الأوروبي ومن ثم النظام الدولي ككل.
على الرغم من أن غالبية استطلاعات الرأي التي أجريت خلال الأسابيع السابقة على الانتخابات توقعت فوز المحافظين بزعامة جونسون؛ فإن الأمر اللافت للانتباه في هذا السياق هو تمكن المحافظين من تحقيق أغلبية ساحقة تطلق يده وتنهي حالة الجمود التي وسمت الحياة السياسية البريطانية منذ استفتاء 2016 حول عضوية المملكة في الاتحاد الأوروبي وسط خلاف دائم بين الحكومة والبرلمان أسفر عن استقالة رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي.
ويمكن وصف نتائج الانتخابات بأنها أقوى نتيجة يحققها أي حزب بريطاني منذ عقود، وهي بلا شك أكبر انتصار للمحافظين منذ عام 1987 وأسوأ هزيمة لحزب العمال منذ عام 1935.
ونجح المحافظون في انتزاع الدوائر التي اعتبرت لعقود المعاقل التاريخية لحزب العمال ولا سيما في شمال ووسط إنجلترا مثل مدينة ووركينجتون، وتمكن من تجاوز آثار انشقاقات بين نوابه في البرلمان اتجه بعضهم للانضمام إلى كتلة الديمقراطيين الأحرار، معارضين بذلك الخط العام لسياسة الحزب كما يمثلها رئيس الوزراء.

دلالات عدة

وتؤشر الانتخابات الأخيرة في بريطانيا على عدد من الدلالات تمس الحياة السياسية البريطانية؛ لعل أبرزها صعود نجم جونسون وزيادة سيطرته على مجريات الأمور داخل الحزب المحافظ وخارجه؛ فقد راهن جونسون على فكرة الانتخابات البرلمانية المبكرة، وذلك بعدما فشل في توحيد الأصوات داخل البرلمان السابق، لدعم رؤيته حول مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وكذلك عدم قدرته على تنفيذ القرار الذي استصدره من الملكة إليزابيث بتعليق أعمال البرلمان، بسبب حكم أصدرته المحكمة العليا في العاصمة البريطانية ببطلانه.
وعكست فعاليات هذه الانتخابات ذكاءً انتخابيا ملموسا من جانب جونسون؛ فمن ناحية أولى اعتمد جونسون على الصورة كوسيلة جديدة للدعاية، عبر الظهور في أماكن تمثل محورا لحديث البريطانيين، وآخرها الظهور بملابس طاهٍ في أحد المطاعم، كما ظهر قبل ذلك في مزرعة للدواجن، فيما اعتبره المراقبون محاولة لتهدئة المخاوف المرتبطة بالاستثمار في مرحلة ما بعد بريكست. كما حرص جونسون على الامتناع عن الظهور مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد لقائهما على هامش قمة الناتو الأخيرة لتجنب استفزاز كارهي ترامب في لندن، في ظل تضاؤل شعبية الأخير في بريطانيا.

أما من حيث الخطاب الانتخابي؛ قدم جونسون برنامجا بسيطا يقوم على فكرة واحدة هي سرعة حل أزمة « بريكست » ثم التفرغ للشأن الداخلي؛ أي أنه حرص على مخاطبة القضية الطارئة والأكثر إلحاحا على أجندة المواطنين.
كما نجح جونسون في استقطاب قطاع كبير من قاعدة ناخبي منافسيه عبر تقديم خطاب متماسك وبسيط، ما مكّنه مثلا من التفوق على حزب « بريكست » نفسه فخطف كل أصوات كل داعمي مغادرة الاتحاد الأوروبي الذين آثروا التوحد خلفه، فيما لم يحصل حزب البريكزت على أي مقاعد. كما لم يتجه جونسون لاستخدام الخطاب التقشفي المعتاد من الحزب المحافظ بل تحدث عن زيادة الإنفاق الحكومي في مجالات الصحة والتعليم؛ أي أن خطاب حزب المحافظين في هذه الحملة الانتخابية كان على يسار خطه المعتاد؛ ما ساعده على استقطاب عدد من أصوات حزب العمال الذي لم يقدم استراتيجية واضحة بخصوص « بريكست » وتبنّى خطابا طويلا وتفصيليا به قضايا متعددة بعضها محل خلاف.

التداعيات المباشرة للانتخابات: خطوات اليوم التالي

من المنتظر أن تتسارع خلال الأيام المقبلة التداعيات المباشرة المترتبة على تلك الانتخابات؛ إذ من المتوقع أن يبدأ النواب الجدد مهامهم اعتبارا من الثلاثاء وسيقدم لهم جونسون برنامجه التشريعي عبر الخطاب التقليدي للمملكة الخميس. فيما أكدت رئاسة الوزراء أنها ستبدأ تعديلا وزاريا طفيفا بحلول يوم الإثنين، في انتظار تعديل أكبر سيُجرى في فبراير المقبل بعد مغادرة البلاد الاتحاد الأوروبي.من ناحية ثانية أسفرت الانتخابات عن نتائج اقتصادية سريعة تغيرات لا سيما فيما يخص قيمة العملة البريطانية؛ فعقب إعلان نتائج الانتخابات ارتفع سعر صرف الجنيه الإسترليني بنسبة 2.3 بالمائة مقابل الدولار وهي النسبة الأعلى منذ مايو 2018 بالإضافة إلى ارتفاع سعره أمام اليورو بنسبة 1.9 بالمائة.
من ناحية ثالثة، من المتوقع أن تترتب على تلك الانتخابات حلحلة في الملف الاسكتلندي؛ حيث كشفت نتائج جزئية عن أن القوميين الاسكتلنديين في الحزب القومي الاسكتلندي فازوا بـ20 مقعدا إضافيا وسيتمثلون بذلك بـ46 نائبا في مجلس العموم، وهم ينوون الاعتماد على هذه النتيجة ليطلبوا استفتاء ثانيا حول استقلال اسكتلندا المعادية بأغلبيتها لـ »بريكست »، مع أن جونسون يعارض بشدة هذا التصويت. هذا ما أكدته رئيسة الحزب القومي الاسكتلندي، نيكولا ستيرجين؛ حيث قالت: « لقد بعثت اسكتلندا برسالة واضحة للغاية أنها لا تريد حكومة بوريس جونسون، ولا تريد مغادرة الاتحاد الأوروبي »، مؤكدة أن النتائج تعطي بوريس جونسون تفويضا بإخراج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي، لكن عليه أن يقبل أن لديَّ تفويضا بإعطاء اسكتلندا خيارا لمستقبل بديل ».
من ناحية رابعة، أدى تراجع أداء حزب العمال في هذه الانتخابات إلى تغييرات في خريطة الحزب، مع إعلان رئيس الحزب جيريمي كوربن أنه سيتنحى عن منصبه قبل الانتخابات المقبلة دون توضيح موعد محدد لذلك، وإن كان سيظل عضوا في البرلمان عن دائرة إزلينجتون الشمالية حيث أعيد انتخابه فيها للمرة العاشرة على التوالي.
أما أهم وأبرز تداعيات تلك الانتخابات فترتبط بملف بريكست الذي كان محركها الرئيسي، وقد طرحت باعتبارها حلا لأزمة النظام السياسي بسببه، كما أنها كانت المحور الذي تدور في فلكه البرامج الانتخابية. وفي حقيقة الأمر يمكن القول إن تلك الانتخابات شكلت بديلا عن إجراء استفتاء ثانٍ بشأن بريكست، وهذا ما أكده جونسون صراحة بعد إعلان فوز حزبه قائلا: إن هذه الانتخابات تضع نهاية لكل التهديدات البائسة بشأن إجراء استفتاء ثانٍ على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ويعكس ذلك أيضا فشل الدعاية التي تبناها عدد من الفاعلين السياسيين المنافسين لجونسون على رأسهم رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وجيريمي كوربين في خطاباته الانتخابية الداعية لعقد استفتاء جديد.
وبطبيعة الحال يمكن القول إن التصويت لصالح « المحافظين » برئاسة جونسون هو بمثابة تصويت جديد لصالح مغادرة أوروبا، وهو ما عبّر عنه جونسون في أول تصريحات له بعد إعلان النتائج، معتبرا أنها بمثابة تفويض جديد له لإنفاذ رغبة المواطنين في تنفيذ نتائج استفتاء عام 2016.

قال جونسن « لقد فعلناها، لقد كسرنا الأزمة، وأنهينا حالة الجمود، وكسرنا الحاجز »، مضيفا أنه « بهذا التفويض وبهذه الأغلبية، سنكون أخيرا قادرين على إتمام خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ حيث أضحى إتمام « بريكست » قرارا من الشعب البريطاني غير قابل للجدل أو المقاومة أو النقاش.
وأكد أنه سيعمل على إتمام « بريكست » في موعده المحدد بحلول يوم 31 من يناير/كانون الثاني المقبل من دون استثناءات أو احتمالات، مشددا على أن المملكة المتحدة ستغادر الاتحاد الأوروبي « كمملكة متحدة واحدة تستعيد سيطرتها على قوانيننا وحدودنا وأموالنا وتجارتنا ونظام الهجرة الخاصة بنا تحقيقا للرغبة الديمقراطية للشعب البريطاني ».
وفي السياق ذاته وعد جونسون بعرض اتفاق الخروج على النواب قبل عيد الميلاد بهدف تنفيذ بريكست في الموعد المحدد في نهاية يناير/كانون الثاني 2020، وفي حال إقرار البرلمان لهذا الاتفاق سيتبقى أمام بريطانيا ودول الاتحاد نحو 11 شهرا من أجل التوصل إلى اتفاق تجارة حرة بين الجانبين حسبما تقرر قبل ذلك.

Leave a Reply