دولي

الإصدار المرئي لـ »داعش ليبيا » : الدلالات والمآلات

شكل وجود داعش في ليبيا حالة متمايزة للتنظيم الدموي بعد إعلان خلافته المزعومة في الموصل العراقية عام 2014، حيث أعلن عناصره تشكيل فرع له في 13 نوفمبر عام 2014 بمدينة درنة تبعها إنشاء ثلاثة فروع أخرى هي: برقة في الشرق، وفزان في الجنوب، وطرابلس في الغرب.وبالرغم من انهيار جغرافية دولته المزعومة في سوريا والعراق، وانحسار ولاياته الثلاث بعد عمليات الجيش الوطني الليبي وعملية البنيان المرصوص ضد التنظيم فقد استطاع التنظيم التعايش والبقاء بل والاستمرار والتمدد، ولكن في جغرافيا جديدة متمددة على طول الجنوب الليبي.
وفي محاولة لإثبات الوجود وإعادة الإنتاج بثت وكالة « أعماق » التابعة لتنظيم داعش الإرهابي إصدارا مرئيا يعد الأول للتنظيم بعد اختيار الخليفة الثاني للتنظيم عقب مقتل أبي بكر البغدادي في 27 أكتوبر 2019، بالشمال السوري في عملية نوعية أمريكية.
وحمل الإصدار عنوان « وأخرجوهم من حيث أخرجوكم »، واستمر لنحو 31 دقيقة، تضمن عمليات قتل وذبح دموية لمواطنين ليبيين بينهم موظفون حكوميون سقطوا أسرى في أيدي التنظيم خلال أوقات سابقة.
كما أظهر الإصدار ثلاث عمليات هجوم لمقاتلين من داعش على بلدة الفقهاء، ومركز تدريب سبها ومدينة غدوة بالجنوب الليبي، على متن سيارات رباعية الدفع تحمل أنواعا مختلفة من الأسلحة والرشاشات والمدافع المضادة، وهو ما يكشف عن الإمكانيات اللوجستية الكبيرة التي يمتلكها التنظيم.
هذا الأمر دفعنا إلى التساؤل حول مدى القدرات والإمكانيات التي يمتلكها عناصره فى ليبيا ومصادر تمويلهم، وكيف يتحركون في هذه الجغرافيا المتسعة، وما هي السيناريوهات المستقبلية لتنظيم داعش بليبيا في ظل الصراع العسكري المستمر بين الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر ويدعمه مجلس النواب الليبي المنتخب، وبين المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج الذي يسيطر على العاصمة طرابلس والمدعوم من المليشيات الإرهابية.

دلالات إعادة إنتاج تنظيم داعش لوجوده في ليبيا

كشف إصدار داعش المرئي الذي حمل عنوان « وأخرجوهم من حيث أخرجوكم »، عن عدد من الدلالات الهامة التي تؤسس لوجود وتموضع متمايز وإعادة إنتاج لتنظيم داعش في ليبيا يمكن تلخيصها فيما يلي:

-1تأكيد عناصر التنظيم الدموي في ليبيا على البيعة للإرهابي الخليفة الجديد لداعش « أبو إبراهيم الهاشمي القريشي »، والوجود في نفس الوقت بمشاهد قديمة تعود إلى شهرى أبريل/نيسان ومايو/أيار 2019 وهي « الهجوم على بلدة الفقهاء » ومركز تدريب سبها » و »مدينة غدوة » تبرز قوة التنظيم في مناطق الجنوب الليبي.

-2التشديد على أن التنظيم في حالة قوة ظاهرة وقدرة على تنفيذ عمليات أكبر وأن محاولة حصارهم وتوجيه ضربات قاتلة لهم من جانب الجيش الوطني الليبي غير ناجعة، وبالتالي استمرار تقديم الدعم المالي والليوجستي لهم من قبل التنظيم الأم ضرورة يجب ترسيخها لدى قادة التنظيم الجدد وخليفتهم المجهول.

-3الهجوم على بلدة الفقهاء وغدوة جزء من استراتيجيات التنظيم التي أسس لها أبوبكر البغدادي وأطلق عليها التنظيم إستراتيجية إسقاط المدن مؤقتا، وهو الأمر الذي على ما يبدو سوف يستمر فيه عناصر التنظيم في ليبيا بالإضافة إلى استراتيجية التنظيم القائمة على استنزاف الجيوش والأنظمة.

-4 اختيار قيادة التنظيم الجديدة ليبيا تحديدا كأول « ولاية » تصدر إصدارا مرئيا دليل واضح على الثقة التي يحظى بها فرع التنظيم وأنه ربما يكون جغرافيا بديلا للخلافة حال الفشل في استعادة جغرافيته السابقة في سوريا والعراق.

-5أن قوة التنظيم في ليبيا حولت عناصره من مجرد « فلول » هاربة من الشمال الليبي إلى عناصر منظمة أصبحت تحول خلاياها إلى هيكل تنظيمي كامل له مكتب إعلامي مجهز يسوق أعماله الإرهابية، وهو ما يؤشر إلى وقوع عمليات إرهابية في المستقبل القريب.

-6الدموية والعنف المروع في الإصدار وإن كانت ليست جديدة على تنظيم داعش إلا أنها تكشف عن أن توجه الخليفة الإرهابي الجديد المجهول « دموي » إلى أقصى درجة، وهو ما عبر عنه المتحدث الجديد باسم التنظيم أبوحمزة القرشي في نعيه للبغدادي في العدد 207 من مجلة « النبأ » الداعشية بقوله « فلا تفرحي كثيرا ولا تغتري فقد جاءك من ينسيك أهوال ما رأيتِ وكؤوس المر الذي ذقتِ حتى وكأنك ستجدين أن أحلاها ما كان على يد الشيخ البغدادي ».

-7إن مناطق الجنوب الليبي تحولت إلى ملاذ آمن لعناصر تنظيم داعش الإرهابي، وهو ما يعني مزيدا من الأعمال الإرهابية من جانب عناصره الواضح كثافة عددهم وعدتهم، وربما يوسع التنظيم عملياته على جغرافيا أكبر في ظل حالة الانشغال بمعركة طرابلس بين الجيش الوطني الليبي ومليشات طرابلس.

الوجود الداعشي.. المحفزات والموانع

هناك العديد من المحفزات الفاعلة للوجود الداعشي في ليبيا يمكن إجمالها في نقاط:
– عدم استقرار الوضع الأمني والسياسي في ليبيا وتنامي الصراع بين الشرق والغرب، وهو الأمر الذي يخلق واقعا فوضويا يؤسس لاستمرار الوجود والتمدد الداعشي المستفيد من التنافس والصراع بين كافة الأطراف في البلاد.
– الحواضن المجتمعية والفكرية التي لا يزال يتمتع بها تنظيم داعش في المناطق الجنوبية الريفية الليبية، وهي التي تشكل بتناميها قواعد انطلاق وتجنيدا لمزيد من الإرهابيين الجدد، وخاصة في مناطق صبراتة وجبال جنوب وغرب بني وليد.
– الحماية الطبيعية التي توفرها الجغرافيا الليبية لعناصر التنظيم وتسمح لهم بالتمدد والاختراق للحدود الليبية والاتجاه جنوباً وهو ما يعد توسيعا لنطاق سيطرته، وبالتالي توسيع مناطق ونفوذه وتنويع وسائل دعمه اللوجستية.ولكن في الوقت ذاته هناك العديد من الموانع التي تقف حائلاً أمام تمدد تنظيم داعش في ليبيا ويأتي في مقدمتها:
– عمليات المكافحة والإجهاض المستمرة للتنظيم من قبل الجيش الوطني الليبي التي قلصت إلى حد كبير من أنشطته الإرهابية في العديد من المناطق الليبية، وحصرت وجوده في مناطق الجنوب الليبي فقط إلى حد كبير.
– المراجعات القانونية والفكرية التي تقوم بها الحكومة الليبية لمواجهة الأفكار المتشددة خففت إلى حد كبير من الهيمنة الداعشية على عقول الشباب الليبي ومنعت من انضمام الكثير منهم للتنظيم الدموي.

– تجفيف معظم مصادر تمويل تنظيم داعش بعد طرده من مناطق حقول النفط والغاز الليبية وقطع اتصاله بشبكات الاتجار بالبشر والتهريب عبر الصحراء الإفريقية الكبرى ودخول التنظيم في صراعات مع المجموعات المتطرفة الأخـرى، وخاصة تنظيم القاعدة الذي يتمتع بنفوذ واسع في تلك المناطق الصحرواية.
سيناريوهات مستقبل تنظيم داعش بليبيا

بالنظر إلى الحالة الداعشية الليبية وما اكتسبته من مرونة وقدرة على المناورة من أجل البقاء فإن التنبؤ بمستقبلها أمر بالغ الصعوبة والتعقيد، فبجانب دلالات إعادة إنتاجه في ليبيا نجد العديد من الموانع التي تقف حائلاً أمام تمدده وبقائه وهو الأمر الذي يعدد من سيناريوهات مستقبل التنظيم، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:
السيناريو الأول: الانتشار والتمدد وتوسيع النفوذ
يقوم هذا السيناريو على دلالات إعادة الإنتاج المستحدثة التي أوجدها التنظيم لنفسه من خلال قدرته الكبيرة على المناورة رغم فقدان معاقله واحدا تلو الآخر خلال الأعوام الماضية، وتنفيذه للعديد من العمليات والهجمات المتعاقبة في معظم الجغرافيا الليبية، وهو ما يجعله دائما في بؤرة التهديد المستمر للاستقرار في الدولة الليبية، وخطورة تنامي هذا النفوذ في هذا السيناريو هو تحول هذا التنامي والنفوذ لداعش إلى مصدر للتهديد الإقليمي والدولي.
السيناريو الثانى: الانهيار التنظيمي وانحسار الحواضن
ويقوم هذا السيناريو على فقدان التنظيم الداعشي لقدراته وإمكانياته مع تزايد الضربات والمواجهات العسكرية معه من قبل الجيش الوطنى الليبي بعد إنهاء معركة طرابلس وتوتر علاقته مع القبائل الليبية، بسبب عنفه ودمويته مما سيؤدي في النهاية إلى انهياره تنظيمياً.
السيناريو الثالث: البقاء المحدود وفقدان الفاعلية
ويقوم هذا السيناريو على تجفيف منابع تمويل تنظيم داعش في ليبيا وتطويق خلاياه وتضييق الخناق على عناصره وتصفية قياداته وتفكيك شبكة تحالفاته، وهو الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى فقدان فاعلية عملياته وانحسار مناطق نفوذه وبالتالي تحول وجوده إلى وجود رمزي غير فاعل كما هو الحال مع مجموعات القاعدة المنتشرة في الصحراء الإفريقية الكبرى.
وفي ضوء ما سبق نستطيع التأكيد على أن ضعف المؤسسـات والصراع الداخلي بليبيا يعد العامل الأبرز والمساعد على إعادة إنتاج تنظيم داعش وتخليق وجوده واستحداث مناطق تموضع جديدة له داخل الجغرافيا الليبية، وبالتالى فإن هذا الأمر لا يشكل فقط خطورة على مستقبل الدولة الليبية وإنما يشكل تهديدا مباشرا لمحيطها الإقليمي وعلاقاتها الدولية.

Leave a Reply