دولي

لماذا تصاعد العنف ضد متظاهري العراق؟

بعد ساعات قليلة من فرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على 3 من قيادات المليشيات المسلحة في العراق وقعت مذبحة بحق المتظاهرين خلال اليومين الماضيين، راح ضحيتها 25 قتيلا وأكثر من 140 جريحا في ساحة التحرير في بغداد، وهو أعلى معدل من الضحايا يقع في يوم واحد في بغداد خلال الشهرين الماضيين.
ويطرح هذا التطور سؤالا عن وجود علاقة بين فرض العقوبات الأمريكية على هذه المجموعات المسلحة وقتل المتظاهرين؟ وهل سيؤدي سيناريو « الرعب والمذابح » إلى تخويف المتظاهرين وانصرافهم لمنازلهم؟ ومَن الطرف الثالث الذي تتهمه الأجهزة الأمنية العراقية بالتورط في قتل المتظاهرين؟ وماذا عن خيارات المجتمع الدولي للتعامل مع هذه المستجدات الخطيرة؟

استراتيجية جديدة

الواضح أن التعامل مع المظاهرات العراقية انتقل من « استراتيجية التخويف » إلى « استراتيجية القتل » وتقوم هذه الاستراتيجية الأخيرة على 3 محاور هي:
-1النموذج الإيراني: حتى الجمعة الماضية كان عدد القتلى في العراق أقل بكثير من أعداد القتلى في إيران؛ فوفق المبعوث الأمريكي لإيران برايان هوك فإن أكثر من 1000 متظاهر إيراني بينهم 12 طفلا قتلوا على يد القوات الإيرانية خلال أقل من 10 أيام فقط، بينما في العراق قتل ما يقرب من 425 شخصا على مدار شهرين، وهنا تعتقد إيران أن الاكتفاء « باستراتيجية التخويف » أطال أمد المظاهرات، وبدأت ردود الفعل الدولية المنددة بإيران ومليشياتها في العراق تزداد؛ لذلك انتقلت إيران لهذه الخطة الجديدة.

وتشير المعلومات التي نشرتها وسائل الإعلام العراقية بوضوح كامل إلى أن مليشيات الحشد الشعبي وعبر عناصرها الملثمة هي من تقتل المتظاهرين، وأحيانا تقتل عددا من رجال الشرطة لخلق حالة من الاستنفار بين المتظاهرين والشرطة، وأن « قاسم سليماني » الموجود حاليا في العراق استقر على « النموذج الإيراني » في قتل أكبر عدد من المتظاهرين حتى لا يخرج متظاهرون جدد للشارع في تطبيق عملي لخطة إيران التي طبقتها في مظاهرات 2009، وشتاء 2017-2018، والمظاهرات الأخيرة التي اندلعت في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

ورغم خروج المظاهرات في أكثر من 150 مدينة وبلدة إيرانية ودخول الطبقة الوسطي والطلاب الإيرانيين في المظاهرات لأول مرة منذ 40 عاما في إيران؛ فإن موجة « القتل والترويع » أجهضت المظاهرات الإيرانية « إلى حين »، وهو ما تراهن عليه إيران في العراق؛ فسقوط الطبقة السياسية الحالية في بغداد هو نهاية للنفوذ الإيراني، وكل المؤشرات تؤكد تلاشي وتآكل الحاضنة الاجتماعية والسياسية للأحزاب الموالية لإيران في العراق بما فيها « القبائل الشيعية والمختلطة » التي بدأت في الانصراف عن إيران، بل تشارك بقوة في المظاهرات.

وهناك معلومات تؤكد أن القبائل العراقية الشيعية في الجنوب والتي ظلت طوال السنوات الماضية داعمة لإيران هي من أغلقت الحدود العراقية الإيرانية الجنوبية حتى لا تتسلل العناصر الإيرانية لقتل المتظاهرين في الجنوب، وهذا المتغير الجديد يدفع المليشيات العراقية للإسراع بتطبيق النموذج الإيراني في القمع قبل أن يفلت الشارع من سيطرتهم.

-2الطعن والسلاح الأبيض: وهو تكتيك الهدف منه زرع الشقاق والخلاف بين المتظاهرين أنفسهم؛ حيث شهدت الساعات الماضية سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى باستخدام الأسلحة البيضاء، وبات من الطبيعي خلال اليومين الماضية أن يعثر المتظاهرون على زميل لهم مقتول بالسلاح الأبيض.

وقالت تقارير المستشفيات الميدانية إن طريقة الطعن وعدد الطعنات تم بطرق متشابهة بما يؤكد أن هناك تنظيما ينفذ هذه الطعنات؛ فالمتظاهرون نجحوا إلى حد كبير في السيطرة على 3 جسور، ومنعوا قوات الأمن والمليشيات الإيرانية من الدخول، لذلك لجأت مجموعات الحشد للسلاح الأبيض لأنه أولا يمكن إخفاؤه ودخول ساحات المظاهرات والخروج منها دون علم قادة التظاهر، بالإضافة إلى أنها تخلق حالة من الشك والارتياب بين المتظاهرين وبعضهم بعضا.

-3الخطف: حيث لجأت المليشيا الموالية لإيران « الطرف الثالث » الذي كشفت عنه الولايات المتحدة إلى خطف قادة المظاهرات من بيوتهم، وتعذيبهم حتى الموت، ولهذا لا يترك الكثير من المتظاهرين ساحة التظاهر؛ لأن الذهاب للمنازل معناها السقوط في يد العصابات المسلحة التابعة للأحزاب الإيرانية، وأخذ الخطف منحى جديدا خلال الساعات القليلة الماضية بخطف الصحفيين والمصورين حتى لا ينقلوا الحقيقة للعالم.

-4الثقوب الرمادية: الواقع العراقي يؤكد استغلال المليشيا الإيرانية للمسافة بين ولائها لإيران، وتبعيتها في الوقت ذاته للقوات الأمنية العراقية؛ فحتى الآن لم تظهر إدانة واحدة من أطراف الحكومة والبرلمان العراقي لعناصر الحشد باعتبار أن الحشد أحد المكونات الأمنية، لكن في الوقت ذاته الحكومة والبرلمان وكل أطراف العملية السياسية يدركون أن مليشيا الحشد هي من تنفذ عمليات القتل والقنص والترويع بحق المتظاهرين.

وكان الأولى بالحكومة أن ترفع « الغطاء السياسي » عن هذه المليشيا وتكشف عن تحركاتها، وفي ظل هذه المساحة القانونية والسياسية المتاحة للحشد سيستمر القتل دون عقاب عراقي، لكن ربما يأتي العقاب من الخارج مثل فرض العقوبات الدولية على بعض قيادات الحشد كما فعلت الولايات المتحدة.

سيناريوهات مستقبلية

في ظل تصاعد وتيرة القتل في العراق وحالة الصمت التي تلف الحكومة العراقية، وعجز قوات الأمن عن منع « الطرف الثالث » من قتل المتظاهرين فإننا أمام 4 سيناريوهات:

الأول: السيناريو السوري

وهذا السيناريو كان مستبعدا بشدة في بداية المظاهرات خاصة مع اختفاء الطابع الطائفي وتلاحم كل المكونات العراقية ضد الطبقة السياسية الحاكمة، لكن اليوم مع زيادة وتيرة العنف أصبح هناك من يدعو بين المتظاهرين والحاضنة الشعبية الداعمة لهم سواء في بغداد أو في محافظات الجنوب إلى « تسليح المتظاهرين » للدفاع عن أنفسهم، وهي الدعوات نفسها التي انطلقت في سوريا عام 2011، خاصة أن عدد ونوعية السلاح المنتشر حاليا في العراق يفوق بكثير ما كان عليه الأمر في سوريا قبل 9 سنوات.

ويزيد من نسبة حدوث هذا السيناريو إن الغضب من الحكومة والنخبة الحاكمة ومن التغلغل الإيراني في مفاصل الدولة وصل إلى جميع المناطق العراقية، وتؤكد المعلومات أن بعض القبائل المتعاطفة مع المتظاهرين والرافضين لسلوك المليشيات أصبح لها بالفعل كيانات مسلحة كانت بغرض الدفاع عن مصالح هذه القبائل أو المجموعات، واليوم يمكن أن تشكل أداة للوقوف في وجه المليشيات المسلحة وفق بعض الآراء العراقية.

الثاني: « سيناريو خلط الأوراق »

ويعتمد هذا السيناريو على توسيع دائرة الصراعات في العراق حتى يتم صرف النظر عن المظاهرات خاصة من الخارج، وبوادر هذا السيناريو ظهرت في استهداف قاعدتي « بلد » شمال بغداد، وعين الأسد غرب العراق بصواريخ المليشيات الإيرانية، وهذه الصواريخ استهدفت القوات الأمريكية في القاعدتين بعد ساعات فقط من العقوبات الأمريكية على قادة الحشد الشعبي.
والهدف من هذا السيناريو توصيل رسالة للمتظاهرين بأن الحشد الذي يستهدف القوات الأمريكية لن يعدم الوسائل والسبل في التعامل معهم، وكل هذا بغرض بث الرعب والخوف حتى يعود المتظاهرون إلى بيوتهم.

الثالث: سيناريو « تمرير العاصفة »

ويقوم هذا السيناريو على الاكتفاء بالرسائل التي تم توصيلها للمتظاهرين عبر قتل أكبر عدد في يوم واحد، وتوسيع سياسة الخطف واستخدام السلاح الأبيض من جانب المليشيات الإيرانية بالتزامن مع إجراءات سياسية « شكلية » مثل تمرير مفوضية الانتخابات الجديدة وربما أيضا قانون الانتخابات، وقد يصل هذا السيناريو إلى إجراء انتخابات مبكرة بهدف تفريغ الشارع من المتظاهرين والالتفاف على مطالبهم بالخروج من هذا المأزق الذي تعيشه النخبة العراقية بأقل الخسائر عن طريق « أنصاف الحلول ».

الرابع: « سيناريو الوسطاء »

وجرى بالفعل الحديث عن هذا السيناريو من خلال أن تأتي « سرايا السلام » التابعة للزعيم مقتدى الصدر لمنع أي احتكاك بين المتظاهرين والأطراف الأخرى سواء القوات الأمنية أو المليشيات المسلحة، لكن الثقة تراجعت أيضا في كتلة الصدر باعتبارها هي من جاءت برئيس الوزراء المستقيل وجزء من النخبة الحاكمة.

Leave a Reply