دولي

انتخابات مبكرة بالعراق : المعوقات والسيناريوهات المحتملة

مع سقوط ضحايا يوميا بالاحتجاجات العراقية، يزداد الضغط على الأحزاب والنخبة السياسية للاتجاه نحو طرح الرئيس برهم صالح إجراء انتخابات مبكرة وإنهاء الأزمة التي تشهدها البلاد.
طرح الرئيس العراقي تزامن أيضا مع دعوة المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني السياسيين للإسراع في إصلاح قوانين الانتخابات، ووضع قانون جديد لمفوضية الانتخابات على أساس وطني وليس طائفيا، فهل تقبل الأحزاب التي تسيطر على البرلمان والحياة السياسية العراقية بإجراء مثل هذه الانتخابات؟
وكيف ستتعامل المليشيات المسلحة التي ترتبط بالأحزاب السياسية والنخبة الحاكمة مع هذه الدعوة؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون تشكيل حكومة تكنوقراط أو مؤقتة تشرف على الانتخابات العراقية المبكرة المدخل المناسب لوقف نزيف الدماء في العراق؟

الحاضنة الشعبية

الشعارات المرفوعة من المتظاهرين في العراق ضد كل النخبة السياسية تعني عملياً تراجع الحاضنة الشعبية للأحزاب التي تشكل الحكومة في الوقت الحالي.وترفض هذه الكتل السياسية المشاركة في الحكومة إجراء « انتخابات مبكرة » أو حتى تشكيل « حكومة مؤقتة » تشرف على مرحلة انتقالية، لأن هذه الأحزاب التي تستحوذ على الغالبية في البرلمان والحكومة حليفة بشكل وثيق لإيران، كما كشفت وثائق نيويورك تايمز.
ومن أبرز الشعارات التي يرددها المتظاهرون يومياً « العراق حرة حرة، وإيران بره بره »، وهو ما يعني أنه حال إجراء انتخابات مبكرة فإن هذه الكتل السياسية ستتراجع نسب مشاركتها في الحكومة والبرلمان، وبالتالي ستتقلص قدرتها على تمرير « الأجندة الإيرانية » في العراق.
كما ترفض 67 مليشيا وجماعة مسلحة تغيير الوضع القائم والذهاب لانتخابات مبكرة، خوفاً من أن تخسر المزايا والنفوذ اللذين اكتسبتهما منذ تأسيسها في 13 يونيو/حزيران عام 2014 ثم ضمها للقوات المسلحة العراقية.
ومن يعرف تاريخ منظمة إرهابية مثل « بدر » التي حاربت ضد العراق في الحرب مع إيران يتأكد من أن بقاء وولاء هذه المليشيات مرتبط بأجندة طهران في بغداد، وهو ما يعني أن « الولاء الطائفي » فوق الاعتبار الوطني، ولهذا ترفض هذه المليشيات فكرة الانتخابات المبكرة التي ستقود لحكومة يمكن أن « تحل مليشيا الحشد » وتلغي كل امتيازاتها المالية والسياسية.
كما أن الذهاب لانتخابات مبكرة يعني القضاء على النظام الطائفي المذهبي الحالي، وهذا معناه انتهاء « كل الامتيازات » التي تحصل عليها الأحزاب القائمة على أساسه.يمكن القول هنا إنه ربما أكثر ما تخشاه النخبة السياسية في العراق من الذهاب لانتخابات مبكرة هو « كشف الفساد ».
فالعراق الذي باع في أكتوبر الماضي أكثر من 120 مليون برميل من النفط، وحصل على تريليوني دولار خلال السنوات العشر الماضية يعاني من قطع الكهرباء والماء، وهو ما يؤكد أن عشرات المليارات ذهبت لجيوب النخبة الحالية.
وستكون أولى مهام الحكومة الجديدة هي الكشف عن رموز الفساد الذي هو المطلب الأول للمحتجين، ولهذا سوف تقاتل الحكومة الحالية من أجل الحفاظ على مصالحها القائمة، وعدم كشف ملفات فسادها الذي طال جميع القطاعات في العراق، حيث أشار آخر تقرير لمنظمة الشفافية الدولية إلى سرقات بالمليارات في العراق وليس « سوء استخدام » للمال منذ عام 2003.

كما أن الخوف من أن ينتقل « النموذج العراقي » إلى إيران يعرقل إجراء انتخابات مبكرة، حيث إن إسقاط النظام في بغداد سيؤدي إلى تشجيع المحتجين في طهران على تكرار المطالب نفسها.

جمهورية الخوف
بدلاً من التعاطي الإيجابي مع مطالب المتظاهرين ومنها الذهاب إلى « انتخابات مبكرة » بدأت الحكومة والأحزاب السياسية والمليشيات المسلحة التي تقف خلفها إيران في تسريع وتيرة العنف، وتحويل العراق شيئا فشيئا إلى « جمهورية خوف » من خلال خطف رموز المحتجين من منازلهم، واستخدام الرصاص الحي، والإفراط في استخدام نوع من الغاز المسيل للدموع أدى إلى مقتل أكثر من 350 وإصابة ما يزيد على 10 آلاف متظاهر.فما المسارات التي سلكتها الحكومة العراقية للالتفاف على مطلب الانتخابات المبكرة؟
أولاً: كسب الوقت، فما زالت الحكومة العراقية تراهن على كسب الوقت، والحديث عن « مسكنات سياسية » وليس حلولا جذرية، حيث تتحدث الحكومة ومعها البرلمان عن تخفيض بعض الامتيازات التي يتمتع بها النواب والوزراء دون تغيير جذري أو حقيقي لبنية الفساد في البلد الذي صنفته الأمم المتحدة ثاني أكثر دول العالم فساداً بعد أفغانستان.
ثانياً: سيناريو الهاوية، حيث يجري الحديث بأن الخروج على نظام « بول بريمر » الذي حكم الحياة السياسية منذ 2003 وسمح بهزيمة « داعش » سيؤدي إلى عودة العراق لدوائر من العنف ستحتاج لسنوات طويلة للخروج منها.
ثالثاً: التلويح بالورقة الطائفية، حيث يتحدث البعض عن أن الخروج عن النظام المحاصصي الطائفي إلى « نظام وطني » كما يريد المتظاهرون سيؤدي في النهاية لخسارة المكاسب « المزعومة » التي حققتها تيارات أخرى وفق دستور 2005، وتعديلات 2013.
رابعاً: الحفاظ على مكاسب « كل النخب » في المكونات العراقية الرئيسية، وهي الشيعة والسنة والأكراد، فاللافت أن النخب السياسية الثلاث تخشى على مكاسبها، وتقف في « خندق واحد » ضد المتظاهرين، حتى المراجع الدينية نفسها تعلن وقوفها مع المحتجين، لكنها في نفس الوقت لم ترفع غطاءها السياسي عن رئيس الوزراء، فمنذ 2003 حتى الآن لا يأتي أو يستمر رئيس الوزراء بدون الغطاء السياسي من المراجع الدينية.
خامسا: استغلال ورقة الإرهاب حيث يتم تصديرها للخارج خاصة للولايات المتحدة وأوروبا، فالجميع لاحظ أن لغة الولايات المتحدة وأوروبا « ليست كافية » لوقف العنف ضد المتظاهرين وتغيير النخبة السياسية الحالية.
فهناك قلق في واشنطن وأوروبا من عودة الإرهاب وداعش مرة أخرى حال انزلاق العراق نحو مزيد من الفوضى بما يعطي الجماعات الإرهابية فرصة للعودة والظهور ثانية، ولذلك لم تكن هناك مطالب غربية واضحة للذهاب إلى انتخابات مبكرة، والاحتكام لرأى الشارع العراقي.
سادساً: ملف النفط، وتراهن النخبة العراقية الآن على تخويف المجتمع الدولي من أن بغداد التي تصدر 4 ملايين برميل من النفط يومياً، وتحتل المرتبة الثانية في تصديره بمنظمة أوبك، قد تدخل مرحلة من حالة « عدم اليقين » الاقتصادي وعدم تدفق النفط للأسواق العالمية إذا ما حدث تغير جذري في العراق، وذلك بالترويج بأن ما يريده المتظاهرون سيؤدي إلى عدم الاستقرار على الأقل لفترة زمنية ليست قصيرة، وهو ما يجعل الضغط الدولي لإحداث تغيير حقيقي ليس بالشكل الكافي حتى الآن.

تعديل الدستور
الواقع أن الذهاب لانتخابات مبكرة إذا تحقق نتيجة لضغط المتظاهرين وحدوث تحول في الدعم العالمي يحتاج « روشته سياسية » متكاملة تتضمن:

-تعديل الدستور الحالي أو وضع آخر جديد ينص على الوقوف على مسافة واحدة من كل العراقيين والاعتماد على الكفاءة والمهارة وليس الانتماء إلى الطائفة، بحيث يغلق كل الثغرات السياسية والإدارية التي تسمح بالفساد والطائفية.

– تبني النظام « الرئاسي المتوازن » بدلاً من النظام البرلماني الخالص الذي يعطي الأحزاب السياسية الفرصة للتلاعب بالشعب، وتقديم مصالح النخبة على حساب مصالح الشعب، كما أن اختيار الوزراء يجب أن يكون وفق الكفاءات وليس الانتماءات السياسية.

– زيادة حصة « النائب الفردي » ليحصل الأفراد على 50% في البرلمان و50% للقوائم، لأن النائب المنتخب بشكل فردي ومباشر سيكون أكثر حرصاً على تحقيق التنمية والخدمات والتي يحتاجها الشعب العراقي خلال الآونة المقبلة.

Leave a Reply