دولي

الانتخابات البريطانية المقبلة : محورية « بريكست » وتغييرات جوهرية

وافق أعضاء مجلس العموم البريطاني بأغلبية ساحقة على إجراء انتخابات برلمانية في 12 ديسمبر المقبل، حيث صوت لصالح مشروع القانون 438 عضوا مقابل 20 عضوا رفضوه، وهذه المرة الأولى التي تشهد فيها بريطانيا انتخابات في شهر ديسمبر منذ عام 1923، حيث لجأت القوى السياسية البريطانية للاحتكام إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة بسبب حالة الجمود أو الشلل الذي أصاب العملية السياسية البريطانية بسبب مسألة مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي (بريكست) الذي لم يطبق رغم مرور أكثر من 3 سنوات على التصويت لصالحه بنسبة 52 % في استفتاء جرى عام 2016، وذلك بسبب رفض البرلمان المتكرر لاتفاقات الخروج التي تتوصل إليها رئاسة الوزراء مع الشركاء الأوروبيين، ما أفضى إلى استقالة رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، فيما لجأ خلفها بوريس جونسون إلى خيار الانتخابات المبكرة بعدما صرحت حكومته بأنها أقلعت عن محاولات تمرير اتفاق « بريكست » في الوقت الحالي.في هذا السياق يبدو من الطبيعي أن تدور غالبية التفاعلات المتعلقة بتلك الانتخابات المرتقبة حول مسألة « بريكست » التي يبدو أنها ترسم مستقبل المملكة المتحدة والقارة الأوروبية في مجملها.

المتبارون والوعود الانتخابية

تدور تلك الانتخابات بصفة أساسية بين حزبي المحافظين والعمال المتنافسين الرئيسيين على السلطة في البلاد منذ عقود، حيث يسعى كل منهما لإبراز مزايا تشكيله للحكومة أو عيوب تشكيل خصومه لها.. وكما سبقت الإشارة يحتل « بريكست » نصيب الأسد من البرامج والوعود الانتخابية للحزبين الكبيرين، وذلك إلى جانب قضايا أخرى أبرزها الإنفاق الحكومي ومجالاته.
فمن ناحيتهم يسعى المحافظون بقيادة بوريس جونسون إلى تشكيل حكومة ذات أغلبية محافظة تعمل على إنهاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وسحب المملكة المتحدة من التكتل الأوروبي.وكان جونسون أول من بادر إلى استخدام « بريكست » في السباق الانتخابي، حيث هاجم منافسه الزعيم العمالي كوربن، طالبا منه توضيح موقفه الغامض من خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.
وجاء في الرسالة التي نشرها مكتب جونسون: « عندما سيختارون رئيس الوزراء المقبل يستحق الناخبون بأن تكون لديهم صورة واضحة عما سيفعله كل زعيم محتمل بشأن بريكست »، مضيفا: « لأشهر رفضتم القول أي اتفاق تريدونه مع الاتحاد الأوروبي.. آن الأوان لتوضيح وتفسير ما هو مشروعكم ».
كما كرر جونسون: « أريد أن نتم الخروج من الاتحاد الأوروبي حتى نتمكن من المضي قدما في تلبية أولويات بريطانيا.. الشوارع أكثر أمانًا، والمستشفيات الأفضل، والمدارس المحسنة »، كما يسعى حزب المحافظون في الوقت ذاته لكسر صورته النمطية بانتهاج سياسة تقشف، وذلك عبر قطع وعد بزيادة نفقات الدولة في البنى التحتية ومستشفيات جديدة وتوظيف شرطيين، حال فوزه.
ومن ناحية أخرى، يعد حزب العمال بزعامة جريمي كوربن بمعالجة هذه المعضلة « خلال 6 أشهر » إذا انتخب، مؤكدا أنه سيتفاوض مع بروكسل بشأن اتفاق جديد أفضل لبريكست ينص على تشكيل نوع من الوحدة الجمركية مع الاتحاد الأوروبي.. وسيعرضه لاحقا على استفتاء شعبي يقترح أيضا على الناخبين إمكانية البقاء في الاتحاد الأوروبي.
كما انتقد كوربن نهج خصمه جونسون في التعامل مع « بريكست » الذي يقود البلاد لخروج صعب من الاتحاد الأوروبي، بل وإلى انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، ووجه كوربن سهام الاتهام إلى جونسون بالسعي إلى استغلال ”بريكست » لنسف حقوق العمال وفتح قطاع الصحة العام في بريطانيا أمام القطاع الخاص في إطار اتفاق تبادل حر مع الولايات المتحدة.
أما فيما يتعلق بقضية الإنفاق الحكومي فوعد العماليون بإنفاق 400 مليار جنيه إسترليني لمكافحة ما سموه أزمة إنسانية ناتجة عن خفض الإنفاق على الخدمات الأساسية على مدار السنوات العشر الماضية. وفي هذا السياق تركز حملة الحزب على قضايا لافتة لانتباه الرأي العام، واعدا بتقديم خدمة إنترنت سريع مجانية للجميع، في حال فاز في الانتخابات التشريعية، وهو التعهد الأهم في حملة وعدت فيها الأحزاب بخدمات باهظة.. كما أعلن أنه ينوي تأميم « السكك الحديدية والبريد والمياه » و »بريتيش تيليكوم » جزئيا وكذلك فرعها الذي يدير شبكة « أوبن ريتيش ».
كما اتجه كوربن لاستغلال اهتمام الشارع البريطاني بكرة القدم، عبر استخدام كرة القدم ومشجعيها جزءا من حملة حزبه الانتخابية بالحديث عن أسعار التذاكر والنموذج الألماني في إدارة الأندية، فهاجم سياسات أندية كرة القدم وتحديدا أسعار التذاكر التي تفوق قدرة الطبقة العاملة وملكيات الأندية ليعد باسم حزبه منح الجماهير صلاحيات أكبر في الإدارة.. كما أشارت حملته إلى مسألة حقوق البث التي تعد من ركائز صناعة الكرة الإنجليزية واعدا بمنح 5% من دخول حقوق البث دعمًا من فرق البريمييرليج لدعم أندية الهواة.
من جانبه، تعهد حزب « الليبراليين-الديمقراطيين » المؤيد لأوروبا على لسان زعيمته جو سوينسون، بوقف « بريكست » إذا وصل الحزب إلى سدة الحكم، معتبرة أن الزعيمين المحافظ والعمالي « غير مؤهلين » لتولي رئاسة الوزراء، وأن « بريكست » أيا كان نوعه سيضر باقتصاد البلاد، كما وعد باستثمار في الخدمات العامة قيمته 50 مليار إسترليني (58 مليار يورو) بما يتيح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

نتائج الانتخابات: تغييرات جوهرية
يصعب توقع ما ستسفر عنه الانتخابات البريطانية المزمع إجراؤها في ديسمبر ، حيث تتغير نتائج استطلاعات الرأي التي تسعى لقياس شعبية الأحزاب البريطانية بشكل لافت، بيد أن أحدث الاستطلاعات الذي أجري في الفترة من 5 إلى 8 من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ونشرته صحيفة « إندبندنت » يشير إلى أن حزب المحافظين لا يزال متقدماً على حزب العمال المُعارض، إذ حظي المحافظون بتأييد 37%، مقارنة مع 31% قبل شهر، أما حزب العمال المعارض فحظي بتأييد 29 % مقارنة مع 26 % في الشهر الماضي أيضاً.. بيد أن هناك بعض التحليلات التي ترى أن هناك مؤشرات لاحتمال قيام عدد كبير من الناخبين بتبديل توجهاتهم التصويتية مثلما حدث في آخر جولتين من الانتخابات العامة، حيث غيّر نصف الناخبين ولاءهم الحزبي في انتخابات 2015 و2017.في ضوء حساسيتها بسبب توقيتها والقضايا التي تتمحور حولها، فإنه من المتوقع أن تفضي تلك الانتخابات إلى تغييرات جوهرية في عدد من الملفات على الساحة البريطانية، يمكن جمعها في متغيرين كبيرين:
أولهما: « مسألة بريكست » وما يرتبط بها من قضايا حرية حركة المواطنين في الاتحاد الأوروبي والجمارك والتحويلات المالية وغيرها، غير أن هناك بعدا شديد الأهمية قد يتغير في المشهد السياسي البريطاني ترتيبا على « بريكست »، وهو ذلك المتعلق بالتكامل بين الأقاليم المختلفة في المملكة المتحدة، لا سيما أيرلندا واسكتلندا.
ففي أيرلندا الشمالية (التي انضمت إلى المملكة المتحدة عام 1801) تتزايد المخاوف حول كيف ستكون الحياة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هناك حديث عن تغيير جذري حتى إمكانية التوحيد في نهاية المطاف مع جمهورية أيرلندا تجري مناقشتها علناً.
أما اسكتلندا (التي انضمت إلى المملكة المتحدة عام 1707) فيبدو الوضع أكثر تعقيدا، ففي استفتاء بريكست عام 2016 صوت غالبية مواطني المملكة (52%) لصالح المغادرة، لكن اسكتلندا صوتت بأغلبية واضحة (62%) لصالح البقاء مع الاتحاد الأوروبي.
وتتزايد أهمية ذلك في ضوء ما يتردد عن رغبة الحزب القومي الاسكتلندي إجراء استفتاء ثانٍ على استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة (أجرى الاستفتاء الأول في 2014 ورفض الاقتراح بنسبة 45% مقابل 55%) بيد أنه ومع تناقص شعبية بوريس جونسون في اسكتلندا يرى البعض أن خيار الاستقلال أضحى يكتسب شعبية متزايدة بين الاسكتلنديين.
أما ثاني هذه المتغيرات فهو مجالات ومعدلات الإنفاق الحكومي، حيث يمكن القول إنه أياً كان الفائز في هذه الانتخابات فمن المتوقع أن تحدث قفزة في الإنفاق الحكومي إلى مستويات لم تشهدها بريطانيا منذ السبعينيات من القرن الماضي.
استمرار حزب المحافظين في الحكم يعني أن الإنفاق الحكومي مرشحٌ للارتفاع إلى نحو 42% كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، أما إذا فاز حزبُ العمال بالسلطة فإن الإنفاق قد يصل إلى أكثر من 43% كنسبة من الناتج المحلي.
وفي كلتا الحالتين سيعتبر ذلك أعلى من متوسط الإنفاق على مدار العشرين عاماً الماضية والبالغ 37% من النشاط الاقتصادي، حيث يعد الطرفان المتنافسان المحافظون والعمال بضخ مبالغ ضخمة لتطوير البنى الأساسية وخدمات الرعاية الصحية والتعليم والشرطة، ويراهن الحزبان على نسب الفائدة المتدنية حالياً والتي تجعل الاقتراض من خلال إصدار سندات خياراً جذاباً، في سبيل وعود الطرفين بإنهاء التقشف، وزيادة الإنفاق والإقراض، كما يزعمان أن الاستثمارات الجديدة ستزيد من معدلات الإنتاجية، ما قد يسهل سداد الديونِ فيما بعد.

Leave a Reply