دولي

رغم من وجود ملفات شائكة : لماذا تعول إيران على أنقرة في مواجهة العقوبات المؤلمة؟

على الرغم من وجود ملفات شائكة بين أنقرة وطهران، في الصدارة منها الأزمة في سوريا، وهو ما ظهر في رفض الثانية عملية « نبع السلام » التي أطلقتها تركيا في 9 أكتوبر 2019 شرق الفرات، لكن ثمة مصالح متقاطعة وملحة توفر أرضية مشتركة لتعزيز التقارب في الوقت الراهن، وظهر ذلك في وقت سابق في معارضة تركيا قرار واشنطن، في 8 أبريل عام 2019، بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، كما رفضت إعادة فرض عقوبات جديدة على إيران بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في 8 ماي عام 2018، وأعلنت عدم التزامها به.

مصالح حاكمة

ثمة اعتبارات عديدة تدفع طهران في الوقت الراهن نحو العمل على ترسيخ العلاقة مع أنقرة، وضبط حدود التوتر الحادث على خلفية رفض الأولى عملية « نبع السلام. ورغم الخلافات الأيديولوجية، والمذهبية العميقة التي تعوق إمكانية إقامة تحالف دائم بينهما، وصعوبة تطابق وجهات نظريهما تجاه قضايا الإقليم، فإن ثمة مصالحة متنوعة تدفع البلدين إلى رفع مستوى التنسيق والتعاون يمكن إجمالها فيما يلي:

البحث عن ملاذ آمن: ترى طهران في أنقرة ملجأ آمنا للهروب من العقوبات الأمريكية المرشحة للتصاعد إلى مرحلة غير مسبوقة، وظهر ذلك في اتجاه واشنطن في 20 سبتمبر عام 2019 إلى عدد من الإجراءات التصعيدية من خلال فرض عقوبات جديدة ، شملت كلاً من البنك المركزي والصندوق الوطني للتنمية وشركة اعتماد تجارت بارس، وذلك رداً على اتجاه إيران إلى مواصلة تخفيض التزاماتها النووية، وكان آخرها تجديد عمليات تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو، التي أسستها تحت الأرض، على خلاف ما يقضي الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع مجموعة « 5+1 » في 14 جويلية عام 2015.

منافع اقتصادية متبادلة: تُعوِّل تركيا بعد خسارتها جانبا معتبرا من أسواق الإقليم، وبخاصة في الخليج على علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وتعتبر إيران شريكًا تجاريًا رئيسيًا لها، كما تعد تركيا من الدول التي تعتمد عليها إيران في تعزيز المبادلات التجارية بالعملة المحلية، حيث كثفت إيران من تحركاتها مؤخرًا لحث شركائها التجاريين على إجراء التعاملات التجارية معها بالعملات المحلية، وفي هذا السياق تم الاتفاق بالفعل مع تركيا في شهر جوان عام 2017 على استخدام العملات المحلية للبلدين بدلاً من الدولار في التبادلات التجارية الثنائية إضافة إلى مواصلة تعاملاتها التجارية بالعملة المحلية.

وتسعى تركيا إلى رفع المبادلات التجارية مع إيران من 10 إلى 30 مليار دولار، وتكاد لا تخلو أي زيارة يقوم بها مسؤولو البلدين من توقيع مزيد من الصفقات الاقتصادية، فعلى سبيل المثال أسست تركيا ما يقرب من 100 شركة على الأراضي الإيرانية، فيما ازداد حجم التواجد الإيراني في تركيا تجاريا وسياحيا، إلى جانب توقيع اتفاقيات مشتركة في مجالات الطاقة والاستثمار والسياحة بما قيمته 10 مليارات دولار خلال زيارة الرئيس التركي لطهران في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

في المقابل تسعى تركيا من وراء تفعيل العلاقة مع طهران إلى محاصرة تصاعد المشكلات الاقتصادية، وبخاصة تراجع قيمة الليرة بعدما فقدت نحو ثلث قيمتها أمام الدولار فضلا عن ارتفاع الدين الخارجي. وقد ذكرت وكالة « فيتش » أن الاقتصاد التركي يحتاج ما يقارب 230 مليار دولار من أجل التخلص من أزمة تضخم الدين الخارجي الخاصة به.

جذب الاستثمارات: ساهمت العقوبات الاقتصادية التي تتعرض لها إيران في نقل جانب معتبر من رؤوس الأموال الإيرانية إلى تركيا، وهو ما ظهر في توجه الإيرانيين بكثافة نحو شراء العقارات في تركيا إضافة إلى توجه شركات صناعة السيارات الإيرانية لنقل جانب واسع من أنشطتها إلى تركيا، وهو ما يعنى زيادة الاستثمار الأجنبي في تركيا، خاصة أن النظام المالي التركي بدأ يشهد هروبًا كبيرًا للعملات الأجنبية، وزادت وتيرتها مع بدء الاستعدادات لعملية « نبع السلام » التي قام بها الجيش التركي في شمال سوريا في 9 أكتوبر 2019، حيث انخفض إجمالي حساب ودائع العملات الأجنبية الذي بلغ 220.7 مليارات دولار في 2 من أكتوبر المنقضي إلى 218.1 مليار دولار في 8 من الشهر ذاته.

تعزيز التعاون السياسي والأمني: برغم تصاعد توتر غير معلن بين البلدين تجاه إدارة نزاعات الإقليم فإنهما بحاجة إلى بعضهما في تنمية التعاون السياسي والأمني، وهو ما انعكس في مشاركتهما المستمرة فيما يسمى بـ »مسار الأستانة » مع طهران وموسكو إضافة إلى عقد لقاءات قمة شبه دورية لمناقشة تسوية الأزمة السورية، آخرها قمة أنقرة في سبتمبر عام 2019، بحضور الرئيس الإيراني حسن روحاني، والروسي فلاديمير بوتين، كما توصلت تركيا مع إيران إلى تفاهمات للتعامل مع ما يجري في شمال العراق، ومواجهة حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا إرهابيا.

الانخراط في خلافات جديدة: يأتي في مقدمتها التصعيد المتواصل بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، والذي بدأ مع تسلم أنقرة منظومة الدفاع الصاروخية S400 من روسيا في جويلية 2019 بالتوازي مع توتر العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بسبب محاولات تركيا توظيف اتفاق اللاجئين الموقع في مارس عام 2016 لابتزاز الاتحاد الأوروبي مالياً ناهيك عن معارضة الاتحاد عمليات التنقيب التركية عن الغاز قبالة سواحل قبرص من دون اتفاقيات قانونية.

بيئة حاضنة

تحرص طهران وأنقرة على توثيق العلاقة بينهما، فالأولى تهدف إلى مواجهة ارتدادات تصاعد حدة خلافاتها مع واشنطن في المرحلة الحالية، بينما تسعى أنقرة إلى الاستفادة من الاستثمارات الإيرانية التي بدأت الهجرة للخارج في ظل استمرار انهيار سعر صرف العملة الإيرانية، والمخاوف من اندلاع الحرب.

وفي هذا السياق قدمت أنقرة محفزات عدة للشركات الإيرانية، منها تخصيص الأراضي اللازمة للمصانع داخل المنطقة الصناعية إضافة إلى امتيازات ضريبية مخفضة، وإطلاق نظام « البطاقة التركوازية » المشابهة لنظام البطاقة الخضراء الأمريكية، في عام 2016، والذي تمكن المستثمرين من الحصول على الجنسية التركية من خلال ضخ استثمارات في السوق التركية، وبدأ العمل بها في عام 2017.

وعلى الرغم من معارضة إيران العملية التركية « نبع السلام » في سوريا فإن ثمة توافق بين البلدين بشأن إدارة الأزمة السورية، وتعزز هذا التقارب مع تغير توازنات القوى العسكرية داخل سوريا لصالح النظام السوري وحلفائه خلال الفترة الماضية، الأمر الذي أدى إلى انعطافة تركيا تجاه طهران، على نحو قلص حدة الخلافات بينهما بشأن الأزمة السورية. ووجهت تركيا إشارات ضمنية بشأن إمكانية التماهي مع موقف طهران، وإجراء تغييرات في موقفها من الأزمة السورية، خاصة فيما يرتبط بالعلاقات مع النظام السوري، وهو ما بدا جليًا في القمة الثلاثية التي شهدتها أنقرة في سبتمبر عام 2019، حيث نأت تركيا عن طرح ورقة مصير الأسد، وركزت على مناقشة تسوية الأزمة.وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إنه برغم خلافات مستترة بين أنقرة وطهران فإن ثمة دوافع للتقارب بينهما، نظرًا لمستوى التشابكات بينهما والمصالح المتبادلة.
كما أن المعطيات التي تنتجها التطورات السياسية والأمنية التي أفرزتها العقوبات الأمريكية على طهران باتت قوة دافعة لتقارب طهران مع أنقرة والتعويل عليها في مواجهة الآثار المؤلمة للعقوبات الأمريكية.

Leave a Reply