ثقافة وفنون

الكتابة الشبابية : بين حمل رسالة و استعجال للنشر

استطلاع: دليلة قدور

تعرف الساحة الثقافية الجزائرية انتعاشا فيما يخص الكتابات الشبابية، وهو مؤشر إيجابي على أن الكتاب الشباب يريدون إثبات ذواتهم، عبر مؤلفات يصفها بعض النقاد بالمحاولات غير الناضجة و الأعمال المشوهة للغتنا و ثقافتنا و هويتنا، و ينعتون شبابها على أنهم متسرعون ومتلهفون لشهرة مصطنعة بعدد الإعجابات أو اللايكات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
اقتربت « الأمة العربية » من عوالم بعض الكتاب الشباب الجزائري للاستفسار عن دوافعهم للكتابة، حدودهم و رسالتهم، و عادت بهاته الآراء التي أكدت أن مراهنة الشباب على الكتابة هدفها إيصال رسائل للمجتمع في لحظة فارقة من الركود الثقافي وتجاهل الحركة النقدية لأدبهم.

الكاتب « عبد الباسط باني »:
كتاباتي تسيرها حدود دينية و أخلاقية و إنسانية
قال صاحب الديوان الشعري الحر بقايا رجل الكاتب « عبد الباسط باني » البالغ من العمر 21 عاما، إن الكتابة هي نفسه الثانية و ملاذه الأول من هموم الحياة و بواسطتها يستطيع إخراج المكبوتات العالقة في سريرته ليرتاح قليلا و يعبر عن نفسه و ما يخالجه من أحاسيس وتجارب عاشها و صارعها مع نفسه، مجتمعه و مع الحياة. مضيفا أن كتاباته تسيرها حدود دينية وأخلاقية و إنسانية لكي لا يقع في الشبهات و احتراما لمبادئ وطنه و أسس و قوانين الدولة كمواطن صالح، و من ثم فهو يسعى لأن تسهم رسالته في التغيير و الإصلاح عن طريق سرد تجاربه وخبراته في الحياة.
الكاتب « يوسف قسمية »:
« الخطوط الحمراء هي خطوط القارئ المثقف »
من جهته، أشار الكاتب « يوسف قسمية » ذو 23 ربيعا، إلى أن دافعه للكتابة لم يكن نتاج إصراره الشخصي، بل كان بفضل دعم المقربين منه، فآمن بامتلاكه لرسالة عظيمة و انطلق في كتاباته من عالم الوجوديات بداية من مقارنة الأديان مرور بدراسة الإلحاد ووصولا إلى العدمية ومذاهبها الفكرية. مفصحا عن عدم تقييد قلمه حينما يكتب فهو لا يثق كثيرا في متانة اللغة و لا بالفراغ المرسوم بين اللغة والواقع، دون إغفاله المحتوى العربي الذي بطبعه مقيد بالمجتمع والتقاليد والأعراف، و إذا كانت من خطوط فهي خطوط القارئ المثقف و ما يتماشى مع عقائده بشكل مرن.
أكد « يوسف » الطالب في الهندسة الميكانيكية أن كتاباته رسالية و لها مغزى، فهي بمثابة تراجيديا العصر لعالم أمثل، وعموما الكتابة بالنسبة إليه استثمار للقادة الحقيقيين و طريقة لتقنين النفوس وتوجيهها توجيها يتماشى مع فلسفة الكاتب ورؤيته المُحايدة للعالم.

الكاتبة « خولة خلادي »:
 » الكتابة مأساة ..و لا قيود لقلمي »
وصفت الكاتبة و الشاعرة  » خولة خلادي » لحظات الكتابة قائلة:  » عندما تحتضن أناملي القلم فإنها تحتضنه بكل ما أوتيت من اهتمام وحب فأترك له حرية التصرف والتعبير عن كل ما يملأه بصدق شديد بلا تحريف أو تزييف ثم أنتقل بعدها لمرحلة التدقيق، وهنا قد أضيف أشياء وأحذف أخرى لتكتمل الصورة في الأخير وتصبح جاهزة كما يريد كلانا، ويتم نقلها بكل شفافية إلى القارئ الذي يهتم كثيرا لمثل هاته التفاصيل وينجذب إليها، أعطي قلمي حرية التعبير في حدود تخدم كلانا لكن لا أقيده لأنني إن فعلت ذلك فهذا يعني أنني قمت بإعدام أحاسيس كان من حقها أن تبصر النور ».
نوهت الكاتبة « خلادي » التي صدر لها مؤخرا رواية من جزأين بعنوان « الحب يعشق الصدف » بأهمية وجود رسالة في كتاباتها تكون ذات معنى هادف وحكيم. مضيفة أنها تعيش كل كلمة تكتبها فالكتابة بالنسبة لها ليست مجرد حبر على ورق، بل هي مأساة قبل أن تكون هواية، بحيث كلما شعرت بالاختناق من دناءة هذا العالم و سوداوية المجتمع لجأت إلى القلم.

الكاتب » أسامة مخلدي » :
« حدود قلمي تقف عند التفكير في الذات الإلهية »
من طرفه، تحدث الكاتب الشاب « أسامة مخلدي » عن منطلقه لممارسة الكتابة قائلا إن هناك عدة دوافع من بينها شعوره بالألم تجاه نفسه أو غيره، و أيضا دافع السعادة المتمثل في رؤيته لمجتمع واعي مثقف يقدس الحرف واللغة العربية ويسعى دائما من أجل الوصول إلى أحلامه. ملفتا إلى أنه لا يقيد قلمه عند الكتابة و يؤمن بأن حدود إعمال العقل تكون بالتفكير في الذات الإلهية أما الحدود التي لن يتجاوزها يوما هي نفسها الحدود التي لن يقبل أن يتجاوزها غيره.
ذكر » أسامة » أن قلمه مسخر لخدمة الفرد والمجتمع و إظهار صوت الحقيقة و إنارة الطريق للأشخاص الذين ضلوها ولم يجدوا من يمد إليهم حبل النجاة لانتشالهم مما يعيشون فيه من ضغط و انعدام للفرص والتفكير الإيجابي.

الكاتبة « نورة صولح »:
« الكتابة متنفس حضاري و حدودها في عدم تعتيم صورتها »
هذا، و اعتبرت الكاتبة « نورة صولح » صاحبة كتاب أناقة فكر، أن دافعها للتأليف يكمن في إفادة و تذكير نفسها بالأخطاء التي وقعت فيها من أجل تخطيها و الوصول إلى تشجيع نفسها على التغيير الهادف و مشاركة غيرها فكرةً ومعنًى ورسالة، تكونُ لها سنداً في الحياةِ، وحروفاً من الأملِ إذا اجتمعت بقارئِها تلَأْلأَ و أَشْرَقَ، و إن لم تفدهم فهُنَاك أَسْطُرٌ أو كَلِمَاتٌ تَسْتَهوِيهُم أو على الأَقَلِّ يَجدُون فيها جُرعةً منَ التَّفاؤُلِ، أو سَبباً في رسمِ ابتِسَامَة. مبينة أنها لا تقيد قلمها عند الكتابة بل تكتب كلّ ما جال بخاطرها خصوصا الأخطاء، أو ما كان نتيجة تأثّر بأحداث أو أشخاص أو اصطدام مَفاهيم، بعد ذلك تُنَاقَش وتُصَحَّحُ وتُعدَّل، للوصول إلى عمق المفاهيم.

أبرزت « نورة » أن حدود الكتابة تكمن في أن لا تنزلها عن قيمتِها ولا نُعتم صُورتَها النَّبيلة كمُتَنَفَّسٍ حضاريٍّ مُمتع، لأن الهدف منها استنطاقُ فكرِ القارئِ، أي أن يجِد القارئ نفسَه بين السُّطور ويشعر بِتقديرِ ذاتِه، لأن الكتابة فنّ.
وجهة نظر مختصة:
« قال الشاعر المغربي رئيس مؤسسة جامعة المبدعين المغاربة و مدير منتداها الالكتروني « محمد اللغافي »:  » إن هناك جيل قادم لا نراه و لكننا نتحسسه..جيل مجدد يحتاج فقط لمن يكتشفه، ويحتاج إلى وقت ليس بكثير لصقل موهبته الإبداعية، و قد لا مسنا هذا عن قرب و الدليل هو ما نستقبله من أعمال في إطار جائزة زيراوي لإبداعات الشباب، حيث نقف أمام أعمال نعجز عن فرزها..فكلها تستحق الثناء و التنويه، شباب يكتبون بوعي و إدراك لديهم القدرة على خلق تصور حديث يعجز النقد الحالي على تحديد ملامحه..ربما هناك جيل آخر قادم بحمولات نقدية و أدبية واعية بعصرها..ما يحتاجونه حاليا هو الأخذ بأيديهم و تشجيعهم و دعمهم من طرف الجهات المعنية بالثقافة..و تفتح لهم باب المشاركات في الجمعيات ووسائل الإعلام لتحسيسهم بوجودهم. »
وأضاف الأستاذ الباحث اللغوي « فاتح قدور » من منطلق تدقيقه اللغوي لبعض الأعمال الشبابية: »أن هذه الأخيرة تحتاج إلى جرعة توجيهية ونقد بناء من أهل اللغة و الأدب أو الكتاب الذين رسخت قدمهم في عالم الإبداع، ذلك أن القارئ لها يرى اختلافا كبيرا عما ألفه من كتابات رصينة وجرأة كبيرة على الخوض في مواضيع أعيت من قبلهم ، و مرد ذلك غالبا اتكاؤهم على التدفق الهائل للمعلومات ، وهم إلى جانب ذلك غالبا ما يستعجلون النشر لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، أما الأسباب الموضوعية فلدور النشر دخل فيها لأنها قد لا تمنحهم النقد الذي يغذيهم و لا تحيلهم إلى من يجعل عودهم يشتد في الكتابة بل تبارك عملهم و تسهل لهم نشره، إن كل هذا يجعلنا نطرح سؤالا جوهريا إذا ما استمر الوضع على ماهو عليه، من سيقرأ لمن في المستقبل؟ إذا كان كل شاب يرى نفسه غير محتاج لمن يأخذ بيده و يكمل نقصه فإن المكتبات ستحفل بالأعمال وستستمر المنافسة في الإنتاج مع غياب للمتلقين، و ليس هذا الكلام ضربا من التشاؤم فطاقات الشباب لا يستهان بها و طموحهم لا حدود له، وظروفهم غير ظروف من سبقهم، كل ما نحتاجه تواضع أو نقد ذاتي من الشباب و مساندة صادقة ممن سبق خالية من الأحكام المسبقة. »

Leave a Reply