دولي

إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل : الأسباب والإشكاليات

تحت رعاية الأمم المتحدة، ينعقد المؤتمر الدولي حول إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط يومي 18 و22 نوفمبر الجاري. ويأتي انعقاد المؤتمر ليطرح تساؤلات متعددة؛ أهمها مدى التزام دول المنطقة عموماً بالتوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والالتزام بها، خاصة أن دولاً في المنطقة تبدو في حالة من عدم الالتزام.
ومن ثم ترتكز أهمية هذا التساؤل على خلفية مسألة محورية مفادها أن إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، تتطلب التزام كل دول الشرق الأوسط بالابتعاد بالمنطقة عن مخاطر الأسلحة النووية من خلال الانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار النووي كدول غير نووية أو تبني فكرة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، مثل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في الشرق الأوسط أو كلتا الخطوتين معاً على المستويين الإقليمي والدولي.
بل إن أهمية التساؤل تزداد وضوحاً إذا لاحظنا أن انعقاد المؤتمر يأتي في توقيت يشتعل بالتوتر بين ثلاث من القوى النووية الكبرى؛ إذ أعلنت موسكو أن واشنطن ترفض الاقتراح الذي تقدمت به روسيا والصين لمؤتمر نزع السلاح، المتعلق بمنع عسكرة الفضاء الخارجي. وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، في مقابلة مع قناة « روسيا 24″، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، إن « الولايات المتحدة بمفردها تقريباً ترفض مناقشة الاقتراح الذي تقدمت به موسكو وبكين لمؤتمر نزع السلاح، لمنع سباق التسلح في الفضاء الخارجي ».

الحد من الانتشار النووي
وكان مؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح، الذي انعقد في جنيف في مايو/أيار عام 2019، وامتد ليومين، قد ناقش قضية سباق التسلح في الفضاء الخارجي. وهو المؤتمر الذي انسحبت منه الولايات المتحدة الأمريكية؛ احتجاجاً على تولي فنزويلا الرئاسة الدورية للمنتدى الذي تُشرف عليه الأمم المتحدة، تماماً مثلما فعلت قبل عام عندما تولت سوريا الرئاسة الدورية.وفي الوقت الذي يشتد فيه التوتر بين القوى الثلاث، بخصوص « عسكرة الفضاء »، إلا أنها إضافة إلى بريطانيا وفرنسا، تلتزم جميعها رسمياً بمعاهدة « الحد من الانتشار النووي »، وهي المعاهدة التي يأتي في إطارها مؤتمر « إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية » في الشرق الأوسط.
وكان التوقيع على هذه المعاهدة قد تم في 1 يوليو/تموز عام 1968، ودخلت حيز التنفيذ في 5 مارس/آذار عام 1970، وذلك بعد أن تمت المُصادقة عليها من قِبل الحكومات الموقعة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق و40 دولة موقعة أخرى. وحتى بداية العام الجاري 2019 تم التوقيع عليها من جميع الدول تقريباً، أي من 189 دولة باستثناء الهند وباكستان وإسرائيل، وقد انسحبت كوريا الشمالية من المعاهدة. وهذه الدول الأربع الأخيرة، إضافة بالطبع إلى الدول « الخمس » دائمة العضوية في مجلس الأمن، تمتلك أسلحة نووية؛ إلا أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة من بين الدول « التسع » التي لا تعترف رسمياً بذلك.
إلا أن تقريراً جديداً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سِيبري)، تم نشره في 17 يونيو/حزيران 2019، أكد أن القوى النووية العالمية مستمرة في تحديث وتطوير ترساناتها، وسط انخفاض طفيف في أعداد الرؤوس النووية. أضف إلى ذلك، أن تقريراً للاستخبارات المركزية الأمريكية، نُشر منذ سنوات، في بدايات العقد الحالي، أفاد بأن 13 إلى 17 دولة مُرشحة، إذا توافرت لديها الإرادة السياسية، لامتلاك أسلحة نووية، وإن من شأن ذلك الإخلال بموازين القوى في العديد من مناطق العالم ومن بينها الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط وإشكالية التسليح
رغم أن معاهدة « الحد من الانتشار النووي » تنص على الالتزام المتبادل للدول الأطراف بعدم انتشار السلاح النووي؛ بمعنى أن المعاهدة تفرض التزام الدول النووية بعدم نشر التقنية النووية العسكرية أو منتجاتها إلى الدول غير النووية؛ وتفرض، في الوقت نفسه، على الدول « غير المالكة للأسلحة النووية » التزاماً بعدم إنتاج أو اكتساب مثل هذه الأسلحة، فإن دولاً في منطقة الشرق الأوسط بعيدة كل البعد عن مثل هذا الالتزام.

وفي هذا الصدد، يشار إلى أن إيران، رغم انضمامها إلى معاهدة « الحد من الانتشار النووي »، ظل برنامجها النووي محل شك في ظل سياساتها الإقليمية، والتدخل في شؤون دول الجوار الإقليمي لها من الدول العربية، والأهم في ظل عدم وجود إجراءات تفتيش كافية للتأكد من احترامها التزاماتها الدولية.
وقد دار الجدل أخيراً حول محاولة إيران تطوير قدرات تخصيب اليورانيوم حتى حدود « العتبة النووية »، بمساعدة وبدعم تقني مكثف من كوريا الشمالية. ويُذكر أنه بمقتضى « صفقة » الاتفاق الموقع بين إيران ومجموعة « 5 + 1″، في عام 2015، حدث توافق على عدم رفع مستوى تخصيب اليورانيوم في إيران إلى مستوى « العتبة النووية » (20 بالمائة فأكثر)، وكذا تحديد أعداد ونوعيات أجهزة الطرد المركزي، وذلك في مُقابل رفع « إجراءات المقاطعة الاقتصادية » المفروضة عليها أمريكياً وأوروبياً، ثم دولياً.
إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رأى في هذا الاتفاق نوعاً من التساهل مع إيران، خاصة فيما يتعلق بشرط الـ15 عاماً، التي يمكن أن تعود بعدها طهران لاستئناف برنامجها النووي، فأعلن الانسحاب من « الصفقة »، ليُعيد فرض المقاطعة على إيران بهدف تشديد الضغط الاقتصادي عليها. والمثير للتأمل، هنا، هو التصعيد الإيراني الحاصل بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الدولي (JCPOA)، ومحاولاتها رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، كنوع من الضغط على أوروبا لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.
في هذا الإطار، يأتي انعقاد المؤتمر الدولي حول إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، تحت رعاية الأمم المتحدة، ليُثير التساؤل حول مدى التزام إيران، ومن قبلها إسرائيل، بالتوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والالتزام بموادها ونصوصها.
هذا التساؤل وإن كان يؤشر إلى بعض الإشكاليات التي يمكن أن تواجه المؤتمر، من حيث التجاذبات السياسية داخله، وطبيعة التوصيات التي سوف تنتج عنه؛ فإنه، في الوقت نفسه، يؤكد أهمية التعامل مع المؤتمر، من وجهة النظر العربية، بناءً على قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تدعو إلى إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، وهي قرارات تمت الموافقة عليها مدة ما يُقارب عقدين من الزمان بتوافق الآراء.
صحيح أنه في عام 2010، في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما صدر قرار خلافاً لموقف الحكومة الإسرائيلية بعقد مؤتمر لنزع الأسلحة النووية من الشرق الأوسط، وتم توكيل فنلندا باستضافة المؤتمر وتنظيمه، وصحيح أن الوسيط الفنلندي لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن عقد المؤتمر، بعد عدة جولات من المحادثات.. وصحيح أن الولايات المتحدة، في عام 2015، كانت قد عرقلت اقتراحاً مصرياً يفرض على إسرائيل عقد المؤتمر، حيث كان موقف الإدارة الأمريكية في حينه أن نزع الأسلحة النووية يجب أن يكون عن طريق الحوار مع إسرائيل.
رغم ذلك، فإنه يبقى من الصحيح، أيضاً، أن المؤتمر الدولي حول إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، ينعقد، هذه المرة، تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يعنيه ذلك من توفير غطاء دولي مناسب لمناقشة الخطوات الممكنة للتخلص من هذه الأسلحة.
ومن ثم، يبدو أنه من المنطقي التعامل مع قضية الانتشار النووي وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط بالبناء على ما تم طرحه دولياً، بخصوص منطقة الشرق الأوسط، باعتبار ليس فقط أن طرفاً آخر، هو الطرف الإيراني، دخل على خط توتير المنطقة، وإثارة القلاقل فيها، ولكن أيضاً باعتبار أن الدول العربية جميعاً انضمت إلى معاهدة عدم الانتشار النووي دون استثناء.بل، وهذا هو الأهم، باعتبار أن الدول العربية، طوال العقود الماضية، تمسكت جميعها بمبدأ أساسي وقاعدة جوهرية ومقبولة دولياً، ألا وهي أن أمن المنطقة لا يتحقق إلا بالتوازن بين الأطراف المتنافسة دولياً وإقليمياً في المنظومة الأمنية للشرق الأوسط بشقيها العسكري والسياسي.
هنا، يصبح التساؤل حول الكيفية التي يمكن بها تفعيل دور الأمم المتحدة في جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

Leave a Reply