ثقافة وفنون

على هامش صدور كتابه « صناعة صورة الرئيس الأمريكي » : الدكتور » مراد بن عيسى بوشحيط » في حواره للأمة العربية

 » صناعة الرئيس تحتاج لاستقلالية كاملة للإعلام وتحرر حقيقي للقضاء
الجزائر تتجه لاستقلال حقيقي و الحل في الانتخابات »

حاورته: دليلة قدور

صدر حديثا عن دار الأيام الأردنية، كتاب بعنوان « صناعة صورة الرئيس الأمريكي بين التسويق السياسي و التناول الإعلامي و التجسيد الفني : كيف يصنع الرؤساء في أكبر دولة في العالم »، للباحث الجزائري الدكتور « مراد بن عيسى بوشحيط »، والذي يهدف من ورائه توضيح عملية صناعة الرئيس الذي هو حلقة ضمن حلقات متصلة متشابكة من التسويق السياسي و المعالجة الإعلامية و التجسيدات الفنية.
و لأجل التعرف أكثر عن مضمون الكتاب ورأي المؤلف في موضوعات ذي صلة، تواصلت « الأمة العربية » بالكاتب « مراد بن عيسى بوشحيط » وعادت بهذا اللقاء.
الأمة العربية: بداية حدثنا عن حيثيات انجازك لكتاب صناعة صورة الرئيس الأمريكي ودوافعك التي انطلقت منها لعرض واحدة من التجارب الديمقراطية
الباحث الجزائري الدكتور « مراد بن عيسى بوشحيط »: الكتاب في الحقيقة هو تنقيح لأطروحة دكتوراه علوم بجامعة الجزائر نلتها برتبة تقدير جيد جدا مع توصية بالنشر من جامعة الجزائر، بدأت الاشتغال على هذا الموضوع منذ 20 عاما أي بالضبط من مرحلة الليسانس أين قدمت مذكرة للتخرج تضمنت تحليلا لفيلم « السلطات القصوى » لكلينت استوود وهو فيلم ينتقد الرئيس الأمريكي و يقدمه بصورة سيئة، من هنا بدأ العمل على هذه الفكرة الفنية التي قادتني للبحث في مجالات السياسة ومكانة الرئيس في المنظومة الفكرية والاجتماعية والإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية.
أما فيما يخص دوافعي، فلقد أردت تقديم أرضية عمل لنا كعرب نخوض تجارب ديمقراطية متعثرة، و أقف عمدا عند واحدة من التجارب الديمقراطية الرائدة في العالم على ما يعتريها من ضبابية أحيانا ، وتقديمها للباحثين والسياسيين العرب حتى يتبنوا ماهو جيد فيها، خاصة المسائل التقنية في العملية الانتخابية مثل آليات الترشيح ضمن الأحزاب، تمويل الحملات الانتخابية، استراتيجيات الاتصال في الحملات، التواجد الإعلامي وفنونه وتقنياته، دور المختصين في إدارة الحملة…الخ. وهي كلها أدوات يمكن تكييفها مع الواقع العربي الذي يتطلب بالموازاة مع ذلك مزيدا من الرقي الثقافي للشعوب، ومزيدا من الشفافية والنزاهة من السلطات الفعلية ،واستقلالية كاملة للإعلام، وتحرر حقيقي للقضاء وتطورا كبيرا في البنية التحتية والتقنية.

يقال إن الدولة العميقة في الولايات المتحدة تحتاج بين الفينة و الأخرى لرؤساء مختلفين لتعديل بعض السياسات أو تحسين صورة الدولة في العالم، هل هذا صحيح من خلال ما اعتمدته من مراجع و تحاليل في هذا الجانب؟
نعم وجود الدولة العميقة في كل دولة أمر حقيقي، إنها النظام الفعلي الذي يكون خفيا وهو مجموعة من النافذين في الفكر والمال والإعلام وحتى الدين مهمتهم حراسة الدولة وتقديم البدائل بين الحين والآخر. في أمريكا يوجد هناك حراس البيت الأبيض الأمريكي الذين يقدمون خيارات معينة وهم معروفون تحت اسم « سدنة النفوذ  » les hommes d’influences »وقد عرضوا أكثر من مرة في الأفلام السينمائية الأمريكية وظهروا من خلال عمليات النصح والإرشاد والتوجيه الذي تحتاجه الولايات المتحدة في فترات التاريخ، كما أن كتبا كثيرة تحدثت عن إرث الآباء المؤسسين the pilgrims fathers وعن أدباء ومفكرين وسياسيين ورثوا حراسة الدستور الأمريكي الذي يحتاج بين الفينة والأخرى إعادة تفعيل أو قراءة دون تغييره وذلك من خلال الزج ببعض الرؤساء من أجل مناقشة واقع مختلف مستجد.

هل وقفت في كتابك عند تجارب صناعة رؤساء الدول العربية..و كيف تدار (لعبة الديمقراطية)؟
للأسف، نحن نعيش في العالم العربي مرحلة المخاض العسير والطويل، فنحن دول مستعمرة استقلت ظاهريا نعم ولكنها ترث في النهاية أنظمة حكم تصارع بين الاستقلال الكلي والاستعمار المتحكم الذي ترك أذنابه في كل مفاصل الدولة. أي أن الاستقلال كان جزئيا… لذلك لا مجال أبدا للحديث عن عملية ديمقراطية حقيقية .
الآن هناك تغيرات جيوستراتيجية تحدث في بلدان العالم العربي شارك فيها وعي الشعوب المتزايد، وحاجة جهات وطنية في الدول العربية نحو افتكاك استقلال حقيقي كامل…لقد تحدثت باقتضاب عن صورة الرؤساء العرب الذين هزتهم الثورات العربية وركزت على التجربتين التونسية والمصرية باعتبار الأولى ملهمة للربيع العربي والثانية مقاومة للربيع العربي. كما أشرت إلى التجربة الجزائرية التي هي في بداياتها..
وأعتقد أن الجزائر تسير بهذا الاتجاه فبعد عقود من الزمن برز للوجود جيل من النافذين فهموا اللعبة الدولية وأرادوا التخلص النهائي من ربقة الاستعمار ، كما ساهم التطور التقني والوعي السياسي نحو المطالبة الشعبية بالمزيد من الحريات . يعني نحن نسير لو تمت الأمور كما هو مسطر له نحو استقلال حقيقي هذه المرة، وهناك فقط يمكن تفعيل هذه الأفكار التي جاء بها كتابي فهو مساهمة في إحداث هذا الوعي.
ولأن الجزائر مقبلة على الاستحقاقات الرئاسية وسط انقسام في الآراء بين مؤيد و رافض لها، في تقديرك كيف يمكن كسب الرهان و انفراج الأزمة في وقت يترصد البعض سقوط الجزائر في وحل الدماء و الدمار؟
لا مجال أبدا لسقوط الجزائر من جديد في وحل الدم والدمار، لأن نسبة التحصين عالية شعبيا وسياسيا وعسكريا ونخبويا، نعم هناك تحديات وتخوفات لكن الوعي الشعبي المتزايد سيجنب الجزائر الوقوع في الفخ. السبيل الوحيد هو الذهاب للانتخابات لأنه الطريق الأقرب للحل والأنسب ، وعدم إجراء انتخابات لديه مآلات كارثية،صحيح أن هناك أخطاء صاحبت هذا الذهاب لكنها لا تنسف العملية برمتها، علينا اختيار رئيس قبل فوات الأوان.
هناك أيضا مؤامرات دولية لاحتواء الوضع، من خلال الزج بالمؤسسة العسكرية، التي ظلت حامية للشعب، في معركة هي ليست طرفا فيها. المؤسسة العسكرية رافقت الحراك وكانت ضامنة له، ورافقت الشعب في صراعه مع العصابة التي استولت على الحكم، وهي اليوم مرافقة له نحو الحل الدستوري و المخرج الآمن من الأزمة.
يجب بعد ذلك أن يستمر الضغط الشعبي السلمي على السلطة المنتخبة بشتى أشكال المراقبة الشعبية التي يتيحها الدستور من أجل تتمة العمل للقضاء على بؤر الفساد وتحقيق التنمية الحقيقية ، ولا أظن أن هذا الأمر سيلغى كما يتخوف البعض. فلو كانت هناك نية في القضاء على الحراك لتم الأمر منذ مدة. فالحراك هو مكسب اجتماعي وسياسي، يجب فقط ترشيده بما يخدمه، حتى لا يترك في متناول أيادي خارجية تعبث به لضرب استقرار البلاد.
إذا كان نجاح الرئيس مرتبط بوسائل التسويق الحديثة، ما السبيل برأيك لاستفادة الدول العربية من هاته التقنيات ؟
يجب التكوين في مجال التسويق السياسي من خلال تخصصات على مستوى الماستر والدكتوراه، و كذا تدريب الطبقة السياسية والعاملين في السياسة على أدوات وتقنيات الاتصال، و تكوين فرق حقيقية تحت مسمى سبين دكتورز spin doctors مهمتهم صناعة الصور الذهنية وفق أدوات حديثة لمتابعة المترشحين. إلى جانب تحرير الإعلام و القضاء، و التقيد بأخلاقيات المهنة ضمن كل هذا.
تؤكد بعض الدراسات العلمية ، أن رئيس الدولة هو صناعة متعددة الجنسيات ولا علاقة له بخيارات الشعوب، و إذا كان هذا حال انتخاب رئيس أمريكا فهل يمكن للشعوب العربية أن تصنع التغيير باختيار رئيسها و نحن نشهد انعزال و عزل النخب عن السياسة ؟
نعم هناك في هذه السنوات تدافع بين قوى عالمية كبيرة القوى الأولى مهيمنة سيطرت على الشعوب العربية لعقود طويلة، وهي التي كانت تساهم في صنع ديكتاتوريات لأهداف مالية واقتصادية وسياسية، وقوى وطنية داخلية شعبية ونخبوية تسعى للتخلص من هذا الاستعمار المقنع، وما يحدث من ثورات وثورات مضادة يدخل ضمن هذا التدافع بين القوتين . وأعتقد أن الشعوب هي صاحبة القرار الأخير ما لم يتم اختراق صفوفها من قبل عملاء وأجندات.
طبعا العملية صعبة وقد تأخذ وقتا لكن الطريق يبدأ بالحفاظ على الوطن ومؤسساته الحامية مهما كلف الأمر، وعدم الاستسلام للضغوطات الدولية لأنها لم تكن أبدا في صالح الشعوب.

Leave a Reply