دولي

جنوب السودان : معضلة تشكيل الحكومة

في الوقت الذي ترقب فيه المجتمع الدولي خروج حكومة الوحدة الوطنية لجنوب السودان إلى النور، بانتهاء مهلة 12 نوفمبر 2019، فقد اتفق الغريمان سلفاكير ميارديت رئيس دولة الجنوب وزعيم المعارضة د.رياك مشار على إرجاء تشكيل الحكومة، وتمديد الفترة التمهيدية السابقة على المرحلة الانتقالية لتطبيق اتفاق أديس أبابا للسلام لمئة يوم إضافية، تنتهي في 22 فبراير 2020.وهو ما فتح أبواب الجدل حول دلالة تحديد هذه المهلة الزمنية الجديدة، وما إذا كان ذلك ضرورياً لإنقاذ البلاد من حرب أهلية شاملة، أم أنه مجرد شراء للوقت، وتأجيل لصدام وشيك لن يبقي ولا يذر.

مهلة المئة يوم

وتم الوصول لتلك المهلة الجديدة خلال الاجتماع الذي عقد بمدينة عنتيبي الأوغندية، الذي ضم سلفاكير ومشار وجهاً لوجه، بمشاركة السودان وأوغندا وكينيا، وممثلي الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا « إيجاد » والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والترويكا الدولية المعنية بالصراع. وهي الجهات الراعية لاتفاق أديس أبابا الذي تم توقيعه في سبتمبر 2019، وتعد هذه المهلة هي الثانية بعد تأجيل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية للمرة الأولى في 12من ماي 2019.
كان اتفاق أديس أبابا نص على الوقف الفوري لإطلاق النار، ونزع سلاح المليشيات المتحاربة، وتشكيل حكومة انتقالية، وبناء جيش وطني وشرطة وطنية، وإعادة تأهيل البنية التحتية وحقول النفط، بالتعاون مع الحكومة السودانية، وإفساح المجال لإيصال المساعدات الإنسانية، كما تضمن تقاسماً جديداً للسلطة، بوجود رئيس و5 نواب، على أن يكون مشار هو النائب الأول، وأن تتكون الحكومة من 35 وزيراً، بواقع 18 وزارة لفريق سلفاكير، و10 وزارات لمجموعة مشار، فيما توزع الحقائب السبع الباقية على قوى المعارضة الأخرى، مع زيادة مقاعد البرلمان القومي إلى 550 مقعداً، بنسبة 55% للحكومة، و25% لمجموعة مشار، و20% لباقي المعارضة.
تم النص على تطبيق اتفاق السلام على مرحلتين. أولهما المرحلة التمهيدية، ومدتها 8 أشهر. ويتم خلالها إنشاء اللجان المعنية بتنفيذ الاتفاق. يليها المرحلة الانتقالية، وتمتد لثلاثة أعوام ونصف، وتنفذ خلالها البنود الأخرى للاتفاق. لكن البطء والتأجيل ظل هو العنوان العام لجهود تطبيق الاتفاق، رغم تشكيل اللجان والمفوضيات اللازمة لإنفاذه، إذ لم يتم وقف إطلاق النار واستمرت الاشتباكات المسلحة والعنف الإثني.
وتكونت حركات مسلحة جديدة، أهمها الجبهة الوطنية الديمقراطية، والحركة الوطنية لجنوب السودان، وجبهة الخلاص الوطني، والجبهة الفيدرالية الديمقراطية. واستمرت موجات اللجوء والنزوح، حيث كشفت التقارير مقتل 400 ألف مواطن خلال الحرب، ونزوح ثلث السكان حتى نوفمبر 2019، كما حذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة من احتمال تعرض 5.3 مليون من أبناء الجنوب لخطر الموت جوعاً، في ظل صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية.
كان من المنطقي أن تفشل أيضاً جهود نزع السلاح، وأن يتأخر إدماج المتمردين ضمن القوات المسلحة الحكومية، تمهيداً لإعادة بناء الجيش الوطني وجهاز الشرطة، وهو ما أرجعه الرئيس سلفاكير لعدم توافر الاعتمادات المالية، وصعوبة تحريك القوات خلال موسم المطر، الذي يهطل سنوياً من ماي حتى نوفمبر، وفي غضون ذلك تبادلت الحكومة والمعارضة الاتهامات بشأن التوسع في تجنيد المقاتلين وتكديس السلاح.
أخفقت كذلك أغلب جهود إعادة تأهيل البنية التحتية وحقول النفط، ولم تنجح المفوضية الفنية للحدود -التي يشارك فيها ممثلو الاتحاد الأفريقي- في التوافق بشأن عدد الولايات بالبلاد وآلية ترسيم الحدود بينها، حيث إن اتفاق السلام سكت عن ذلك.

وهنا اقترح البعض تقليص العدد من 32 إلى 21 ولاية، فيما طرح البعض الآخر العودة للعدد الأصلي وهو 10 ولايات، بينما ذهب آخرون إلى إمكانية إجراء استفتاء للمواطنين حول العدد المناسب للولايات. وهو الاقتراح الذي قوبل بالرفض، ليبقى هذا الملف عقبة كبرى في طريق السلام، خاصة بعد محاولة سلفاكير تكوين لجنة جديدة لبحث عدد الولايات والحدود بخلاف اللجنة المستقلة التي نص عليها اتفاق السلام.
في ظل هذا المناخ تم عقد اجتماع عنتيبي، الذي سبقته ضغوط خارجية على سلفاكير ورياك مشار، لكن الاجتماع أفضى لتأجيل تشكيل الحكومة، بعدما تمسك مشار بإنفاذ الترتيبات الأمنية أولاً، خاصة نزع السلاح وإدماج المقاتلين، وتشكيل قوة تتولى حراسته الشخصية في جوبا، حيث رفض زعيم المعارضة إسناد تلك المهمة لقوة إقليمية تشكلها دول الجوار، وهنا يبدو أن مشار لم ينس محاولة الاعتداء عليه، والتي أدت لهروبه ليلاً من جوبا إلى الكونغو الديمقراطية ومنها للسودان، في أوت 2019، لينهار على إثرها اتفاق السلام الموقع في أ وت عام 2015.في المقابل، أعلن سلفاكير تمسكه بتشكيل الحكومة في موعدها المحدد في 12 نوفمبر الجاري، وهو ما أيده تحالف أحزاب المعارضة « سوا » بقيادة جوزفين لاقو، لكن سلفاكير عاد ليعلن قبوله بتأجيل تشكيل الحكومة، مفسراً ذلك بحرصه على عدم منح المعارضة أي فرصة للعودة إلى الحرب مجدداً، كما تعهد بتدبير مبلغ 100 مليون دولار لتنفيذ الترتيبات الأمنية، مع العمل على إقناع القوى السياسية الأخرى بالموافقة على إرجاء تشكيل الحكومة.
وهنا يبدو أن رئيس جنوب السودان يحاول أن يخلي مسؤوليته عن مخرجات إجماع عنتيبي، وأن يلقى باللائمة على المعارضة وحدها، متناسياً أنه هو ذاته من طالب بتأجيل تشكيل الحكومة حتى أبريل عام 2020، عندما كانت المعطيات آنذاك في غير صالحه.
أمام هذا التباين في المواقف، وفي محاولة لإنقاذ عملية السلام، نص البيان الصادر عن اجتماع عنتيبي على تشكيل آلية لمتابعة تنفيذ القضايا العالقة خلال المئة يوم المقبلة خاصة ملف الترتيبات الأمنية، على أن تقدم تقريرها الأولي بعد 50 يوماً، إلى الرئيسين موسيفيني وعبدالفتاح البرهان والمبعوث الكيني، باعتبارهم الجهات الضامنة للاتفاقية، للوقوف على مدى التقدم المحرز بشأن حسم القضايا العالقة، كما دعا البيان المجتمع الدولي إلى دعم تنفيذ اتفاق السلام، وتحقيق الاستقرار والتنمية بجنوب السودان، مطالباً منظمة إيجاد بمعالجة وضعية زعيم المعارضة مشار، الذي ما زال يخضع للإقامة الجبرية بالعاصمة السودانية.من جانبها، قبلت دول الترويكا بتأجيل تشكيل الحكومة. وكان واضحاً أن ذلك القبول جاء على مضض، استناداً لتقرير مجلس الأمن الدولي الصادر في أكتوبر الماضي، والذي أكد عدم تنفيذ أغلب بنود اتفاق أديس أبابا، مما يعرقل مهمة تشكيل الحكومة، وهنا أعربت الخارجية الأمريكية عن خيبة أملها، مؤكدة أنها ستواصل الضغط بكافة الوسائل الممكنة لضمان تنفيذ الاتفاق، وأن الضغوط سوف تشمل فرض عقوبات على قيادات الصف الأول بجنوب السودان، بما في ذلك حظر سفرهم للولايات المتحدة، بعدما تبين أن معاقبة كبار ضباط الجيش بالحكومة والمعارضة لم يؤت ثماره المرجوة.في ذات الاتجاه، جدد بابا الفاتيكان دعوته لكل المشاركين في العملية السياسية بجنوب السودان للتغلب على الانقسامات بروح الأخوة الصادقة، مطالباً المجتمع الدولي بمصاحبة الدولة الوليدة في طريقها نحو المصالحة الوطنية، لكن يبدو أن هذه الدعوة لم تجد آذاناً مصغية لدى القادة الذين صموا آذانهم عن الاستماع لنداء السلام، ولم يخجلوا من تقبيل البابا لأرجلهم في أبريل 2019.

دلالات تأجيل تشكيل الحكومة

لكل ما سبق، فإن تأجيل تشكيل الحكومة وتمديد المرحلة التمهيدية لمئة يوم، لن يضيف -في تقديري- أي قيمة إلى عملية السلام، فاتفاق السلام ذاته كان مجرد تحرك تكتيكي مدفوع بضغوط الخارج، والرغبة في تجنب تفاقم تداعيات الصراع، أكثر منه استجابة لقناعات القوى المتصارعة، الذين يفتقرون للثقة المتبادلة.ويمكن الاستدلال على ذلك باستمرار انتهاك وقف إطلاق النار، وعدم تطبيق نزع السلاح، وتباين مواقف أعضاء مجلس الأمن الدولي ودول جوار جنوب السودان بشأن حظر تصدير السلاح للجنوب، وموافقة برلمان الجنوب على تمديد ولاية الرئيس سلفاكير حتى عام 2021، لتحجيم طموحات وتحركات مشار خلال الفترة الانتقالية، مع استمرار خضوع الأخير للإقامة الجبرية بالخرطوم، رغم إصدار قرار حكومي بالعفو العام عنه.
هناك أيضاً الكثير من الشكوك التي تحيط بقدرة أطراف الاتفاق على العمل الجماعي، في ظل قواعد اقتسام السلطة بالحكومة والبرلمان، فوجود رئيس و5 نواب يزيد من احتمالات تداخل وتنازع الاختصاصات، كما يتمسك القادة بالتصرف كزعماء لجماعات إثنية وليس كرجال دولة، الأمر الذي يدفعهم لممارسة العملية السياسية باعتبارها مباراة صفرية، يحصل خلالها المنتصر على كل شيء، بينما يخسر المهزوم كل شيء.

لذا فإن تأجيل تشكيل الحكومة لا يعدو أن يكون تكتيكاً نخبوياً، لا علاقة له بمصالح الشعب، بهدف تجنب العقوبات الأمريكية والأوروبية، والحيلولة دون إحالة ملف انتهاكات حقوق الإنسان إلى المحكمة الجنائية الدولية، وكسب الوقت والاستعداد لمواصلة القتال، حيث تتقاسم الحكومة والمعارضة السيطرة على المدن الاستراتيجية وثروات البلاد، ما يوفر الإمكانيات المادية لتغطية نفقات القتال في حال تجدده.

Leave a Reply