دولي

صناعة التهديد : ما السبيل للتعامل مع « الأسر الداعشية » بالعراق؟

رغم الإعلان عن مقتل زعيم تنظيم داعش أبوبكر البغدادي بنهاية أكتوبر/تشرين الأول 2019، لا تزال هناك العديد من القضايا العالقة التي تنذر بتحوُّل إلى مصدر تهديد كبير للأمن القومي العراقي في الفترة المقبلة ما لم يوليها المسؤولون ما تستحقه من اهتمام ومتابعة. ولعل ملف النازحين يقبع على رأس هذه القضايا؛ ذلك لأنَّ هذا الملف ينطوي على إشكالية غاية في الأهمية ألا وهي « الأسر الداعشية ».وفي هذا السياق، سلَّط مقال نُشِر على موقع مجلة فورين أفيرز الأمريكية تحت عنوان « التهديد القادم للعراق » للكاتب « ثاناسيس كامبانيس » الضوء على قضية الأسر الداعشية؛ فإعلان هزيمة داعش في وقت سابق من هذا العام، قد خلَّف نحو نصف مليون نازح من الرجال والنساء والأطفال، نحو ثُلثهم تحوم حولهم شبهة الصلة بتنظيم داعش.وتقبع « الأسر الداعشية » في منطقة « رمادية »، بمعنى أنَّهم معزولون في مخيمات صحراوية تمتد من الفلوجة حتى الموصل، وممنوعون من حرية التنقل والعمل، بلا مدارس أو عيادات طبية، الأمر الذي يحتِّم وضع استراتيجية، تضع الحسابات الطائفية جانبا، لبدء عملية فحص أولئك المحتجزين لمعرفة ما إذا كانوا قد تورطوا في عمليات إرهابية أم أنَّهم مجرد نساء أُجْبِرن على الانضمام لداعش أو رجال لا تجمعهم أي صلات بالتنظيم الإرهابي أو أطفال وُلِدوا لآباء دواعش، وكلهم بحاجة لإعادة تأهيل ودمج في المجتمع العراقي من جديد تجنبا لتحولهم إلى مصدر تهديد « فعلي » للأمن العراقي.

غياب الاستعداد والتأهيل للتعاطي مع « الأسر الداعشية »

وارتأى الكاتب أنَّ المسؤولين العراقيين لا يمتلكون الرغبة أو الاستعداد للتعامُل الفاعل مع ظاهرة « الأسر الداعشية » سواء بإعادة دمجهم في المجتمع أو حصرهم للتأكُّد من تورطهم في ارتكاب عمليات إرهابية؛ فأمثال أولئك المسؤولين يروْن أنَّه من الأجدر إعطاء الأولوية لمد يد العون وتوفير الموارد والمساعدات لمن يقاتلون تنظيم داعش أو قاطني الأقاليم التي تحرَّرت من قبضتهم، ولكنها لا تزال تعاني من نقص الخدمات وتردي البنية الأساسية. ومن ثم فهم لا يرغبون في إضاعة الوقت والجهد في التعامل مع الأسر الداعشية، وهم بالنسبة إليهم ليسوا إلا عناصر مشكوك في ولائها.
بيْدَ أنَّ هناك من المسؤولين العراقيين من لا يزالون يدركون ضرورة التعاطي الفاعل مع قضية « الأسر الداعشية »، لعل في مقدمتهم، رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي، الذي رأى أنَّه في « سباق مع الزمن » بغية إعادة دمج هذه الأسر في المجتمع من جديد، لكن تبقى قضية الأسر الداعشية جزءا من إشكالية أكبر تجابه العراق ألا وهي قضية النازحين؛ فالأسر الداعشية ثمثِّل، بحسب الإحصائية التي أوردها المقال، قرابة ثُلث إجمالي عدد النازحين (1.5 مليون نسمة) من الأقاليم التي وقعت تحت طائلة الحكم الداعشي الوحشي.
ورغم التقدُّم المحرز في ملف النازحين؛ إذ أعلن الحلبوسي في نهاية عام 2016 أنَّ أكثر من 10 آلاف أسرة نازحة تمكَّنت من العودة إلى ديارها في المناطق المحررة داخل ديالى خلال 2016، فإنَّه تظل هناك إشكالية رئيسية متمثِّلة في الحصر الدقيق لهذه الأسر سواء ممن نزحوا كرها أو زوجات وأبناء الدواعش أنفسهم، الذين لم يثبت تورطهم في أعمال عنف وبحاجة لإعادة تأهيل ودمج في نسيج المجتمع العراقي.

صناعة التهديد

سلَّط المقال الضوء على التهديد الذي تمثِّله « الأسر الداعشية » حال فشل المسؤولين العراقيين في إعادة دمجهم في المجتمع؛ إذ يستمر حجزهم في مخيمات بدائية صحراوية ممتدة من الفلوجة حتى الموصل، وتفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الآدمية، فمثل هذه المخيمات لا يوجد بها مدارس أو عيادات طبية، ولا يمتلك قاطنوها أي أوراق ثبوتية. ومن الناحية القانونية، أولئك النازحون قاطنو الخيام ليسوا بمعتقلين أو سجناء، لكنَّهم من الناحية الفعلية ممنوعون من العمل أو حرية الانتقال.

وبالتالي، فهم محرمون من أبسط حقوقهم الإنسانية، كنساء ربما أُجْبِرن قهرا على الانضمام لداعش أو كأطفال وُلِدوا لآباء دواعش. وتطرَّق الكاتب إلى إحصائيات المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، والتي أشارت إلى أنَّ قرابة 90% من النازحين الذين تُثار حولهم الشكوك بشأن وجود صلات تجمعهم بداعش لا يشكِّلون أي تهديد للأمن القومي العراقي. ومن ثم ليس ثمة ما يدعو إلى احتجازهم في مثل تلك المخيمات. ناهيك عن وجود مُدْرَك لدى أولئك المحتجزين أنَّ احتجازهم لا يُعزى إلى دوافع أمنية، وإنما دوافع « طائفية » بالأساس؛ فهم محتجزون لأنهم « سُنة » وبعض المسؤولين العراقيين يرون أنَّ من مصلحتهم الإبقاء على مثل تلك المخيمات للإسراع بوتيرة تغيير التركيبة الديموغرافية للعراق لصالح المكون الشيعي.
وأكَّد الكاتب أنَّ غياب استراتيجية عراقية تؤسِّس لبرنامج زمني لإعادة أولئك النازحين إلى ديارهم ودمجهم بالمجتمع، واستمرار عملية احتجازهم تلك، بلا تعليم أو صحة، يُعَد بمثابة « صناعة التهديد » أي تهيئة التربة الحاضنة لتأجيج مشاعر الحنق والرغبة في الانتقام لديهم. وكلها عوامل ستفضي مستقبلا لتحويلهم إلى مصدر تهديد « فعلي » للأمن العراقي.
وختامًا، ارتأى المقال أنَّه على الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الأوروبية التعاطي مع قضية « الأسر الداعشية » باعتبارها ظاهرة إنسانية محضة، وأنها حجر الزاوية في مكافحة الإرهاب، وذلك بتقديم كل الدعم المالي والتقني للمسؤولين العراقيين، الذين لديهم الرغبة في إنهاء الظروف اللاإنسانية التي يقاسيها المحتجزون بحجة الشكوك أو علامات الاستفهام التي تُثار حول صلاتهم بتنظيم داعش. هذا الدعم أمر في غاية الأهمية كونه سيسهم في غربلة النازحين أو المحتجزين في المخيمات ومعرفة مَن منهم على صلة حقيقية بتنظيم داعش وارتكب عمليات إرهابية تستوجب تقديمه للعدالة ومن منهم لم يثبت تورطه بارتكاب أي عمليات إرهابية، وبالتالي تبدأ عملية إعادة تأهيله ودمجه في المجتمع من جديد.

دمار نفسي وذكريات دموية.. « داعش » ينهب طفولة العراق

وفي مقابل ذلك وبغض النظر عن الاسر الداعشية فهناك مشكلة اخرى قد تواجه السلطات العراقية لا تقل خطورة عن سابقتها وهي ما خلّفته سنوات الأسر لدى إرهابيي تنظيم « داعش » في أذهان الأطفال العراقيين سوى خليط من ذكريات دموية، ونفسية محطمة، ومستقبل لا تقدر أيديهم المرتعشة على بنائه يجب التعامل معه.وبعيداً عن عمليات « غسل الأدمغة » المنظمة التي انتهجها « داعش » ضد البراعم، وإجبارهم على حمل السلاح والقتل، فإن مجتمعاتهم المتفرقة في البلد الواحد لم تعد كما كانت سابقاً، ما يُلزِم الأطفال بالتعافي من آثار الأسر، وتحقيق الاندماج المجتمعي مجدداً.
وأُنقِذ عشرات الأطفال الإيزيديين والتركمان، خلال الأشهر الأخيرة، مع انهيار التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، وجُمِع كثير منهم مع عائلاتهم، لكن تعافيهم ذهنياً يتم ببطء، بسبب طول فترة النزوح وافتقار الموارد، ومحيط ساده التطرّف والخوف والمعاناة. في هذا السياق، حاولت لمى، صاحبة الـ10 سنوات، الانتحار مراراً، مهددةً بطعن نفسها أو القفز من سطح مبنى مرتفع، بعد مرور أشهر قليلة على عودتها إلى العراق. وقالت والدتها نسرين (34 عاماً) لوكالة « فرانس برس »: « أخشى ألا تكون أبداً كالأطفال الإيزيديين الآخرين، حيث أمضَت لمى نصف حياتها أسيرة لدى تنظيم داعش الإرهابي ». وخلال زيارة اعلامية لخيمتها في مخيم « خانكي » بدت الطفلة منهمكة في لعبة إطلاق النار على هاتف ذكي مع ابنيْ عمها فادي وكرم، اللذين تحرّرا من الإرهابيين في الوقت ذاته تقريباً. ترتدي لمى ملابس سوداء، كما أبقت على شعرها قصيراً، ويتحدث ثلاثتهم باللغة العربية مع بعضهم، لكنهم ينتقلون إلى الكردية عند مخاطبة نسرين.

اختطاف 1324 صغيراً

أفادت ليلى علي، من منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة « يونيسف »: « كل جيل في العراق تقريباً طاله نزاع ما، الأمر الذي يمثل تحدياً غير مسبوق ». ولا تعرف « يونيسف » بالضبط عدد الأطفال الذين جُنِّدوا والعائدين منهم، أو أماكن إقاماتهم، إذ تشير تقديرات المنظمة إلى اختطاف 1324 صغيراً على أيدي عناصر مسلحة بين يناير/كانون الثاني 2014 وديسمبر 2017، حين أعلن العراق « النصر » على تنظيم « داعش » الإرهابي، لكنها تتوقع أن يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك. ومن بين الذين أُطلِق سراحهم خلال السنوات الأخيرة يعيش العشرات في دور أيتام أو ملاجئ ببغداد والموصل معقل الإرهابيين سابقاً، ومنطقتيْ شيخان وسنجار، معقل الإيزيديين شمالي العراق. وهناك آخرون متهمون بالانتماء إلى التنظيم قيد الاحتجاز، يحصل بعضهم على دعم نفسي في شاكلة إعادة تثقيف ديني، لكنّ الغالبية العظمى تنشأ بلا متابعة ولا علاج في مخيمات العراق التي تستضيف 800 ألف طفل. وقالت الطبيبة النسائية الإيزيدية نغم حسن، التي أصبحت إخصائية علاج غير رسمية للناجين، بسبب نقص الموارد: « لا يوجد إخصائيون نفسيون في دهوك »، مضيفة أن نحو 12 مجموعة تنفّذ برامج نفسية اجتماعية عامة في المخيمات دون نتائج تُذكَر. وطالب رجل الدين الإيزيدي بابا شاويش الوكالات الدولية بتعزيز الخدمات، موضحاً: « تلك المنظمات تزعم أنها تقدّم الدعم الذهني، لكن هل تعتقدون حقاً أن شخصاً أمضى 5 سنوات تحت حكم داعش سيُعالَج في غضون 5 دقائق؟ ».

إعادة التثقيف الديني

سيحتاج المجنّدون قسرياً إلى علاجات خاصة حسب أعمارهم، وفق ما أكدته ميا بلوم، الأكاديمية الأمريكية التي تدرس قضية الجنود الأطفال. وذكرت أن الأطفال المختطفين قد يعاد تأهيلهم بسهولة، لأن لديهم ذكريات أقل عن الحياة في ظل تنظيم « داعش » الإرهابي، لا سيما من أُخِذ في سن المراهقة « فلديهم ذكريات ما قبل الصراع، ويمكنهم العودة إلى طفولتهم السعيدة ». وتابعت: « لكنّ أولئك الذين تم تجنيدهم خلال سنوات التكوين، على غرار لمى وفادي، علّمهم الإرهابيون نبذ الأقليات، وربما يفتقرون إلى ذكريات إيجابية عن مسقط رأسهم، وهم في حاجة إلى إعادة تلقين لهويتهم الدينية ».ولمواجهة ذلك، تعقد « يونيسف » ورش عمل مع الزعماء الدينيين والعشائريين، بغية التأكيد على أن الأطفال هم أولاً وقبل كل شيء، ضحايا « داعش ».

Leave a Reply