دولي

لبنان : حراك شعبي في مواجهة رهانات الاستغلال السياسي

أذهلت الانتفاضة اللبنانية التي اندلعت في 17 أكتوبر 2019، التي لا تزال مستمرة حتى الساعة، اللبنانيين أنفسهم والعالم أيضا، ووضعت كامل الطبقة السياسية الحاكمة في حال ارتباك، وأظهرتْ لأول مرة في تاريخ لبنان عدداً كبيراً من الخصائص والمميزات؛ أهمها تجاوز الانتماءات والانقسامات الطائفية والمذهبية لصالح المطالب الاجتماعية والاقتصادية، بعدما فجّرها قرار لمجلس الوزراء بفرض ضرائب على تطبيق « واتساب »، وبعدما ضاق المواطنون ذرعاً بمحاولات القوى المشاركة في السلطة تفادي الانهيار المالي والاقتصادي باللجوء إلى مزيد من الضرائب.
الحراك الاجتماعي الشعبي الكبير ترافق مع مساراتٍ متوازية زادت من التشنج السياسي ومن الصراعات بين القوى السياسية، في الوقت الذي واصل فيه الحراك زخمه وتخللته مراحل من الصدامات والمظاهر السلبية عبر قطع الطرق على المواطنين، في الوقت الذي يدخل فيه هذا الأسبوع مرحلة جديدة تتمثل في تركيز المظاهرات ضد أهداف معينة ومحددة، يعتبرُها المواطنون والقوى المحرِّكة للمظاهرات أنّها تمثل عناوين للفساد ونهب المال العام والاعتداء على أملاك الدولة.وهذا التحرك غير المسبوق يدفع في اتجاه مراقبة خصائص ومتابعة تحليلها، ومحاولة تبين رهانات القوى واللاعبين.
تجاوز المعيار الطائفي
يأتي هذا الحراك استكمالاً لسلسلة من التحركات الشعبية التي تميزت في السنوات الأخيرة، خاصةً منذ أزمة النفايات التي اندلعت في عام 2015، بالتركيز على المطالب الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفساد وبناء دولة حقيقية من خارج منظومة المحاصصة المعهودة في نظام مشاركة الطوائف في لبنان، الذي شكّل أساساً للانتظام الدستوري والسياسي بعد انتهاء الحرب اللبنانية في عام 1990 بما اصطُلح عليه « الوصاية » السورية.
انطلقت هذه المظاهرات بتحريك من ناشطين اجتماعيين وهيئات اجتماعية ومثقفين ونُخباً من خارج القوى السياسية والأحزاب الرئيسية والمبنية بمعظمها من غالبية مذهبية وطائفية، ورفعتْ شعارات ذات طابع « تضميني » يجمع بين المواطنين على أساس أفقي لا عامودي.
وقد شكلت الحركة الجارفة المستمرة منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول المنقضي انقلاباً في الحراك السياسي اللبناني القائم تقليدياً على أسس طائفية وسياسية، وبُني الانقسام على أساس اجتماعي وضع المحتجين في مواجهة القوى المشاركة في الحكومة، مع تجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية والحزبية التقليدية، بما يعاكس مشهد الحراك الشعبي الكبير في عام 2005 على إثر اغتيال رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري.
هذا الحراك أسس لانقسام ذي طابع مذهبي وسياسي، وتواصل في التحركات الشعبية التي حصلت في خريف عام 2006 وأوائل عام 2007 من قبل المعارضة المتمثلة بتحالف قوى « 8 آذار » وعلى رأسها حزب الله والتيار الوطني الحر الذي أسسه الرئيس الحالي العماد ميشال عون، في مواجهة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة المبنية أساساً على معسكر « 14 آذار » والمكون أساساً من تحالف تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وقوى وشخصيات مستقلة.
مشهد يفرض الحراك الشعبي، على تنوع اتجاهاته وشرائحه وقياداته وتناقضها والمشكلة من قبل أجسام مدنية اجتماعية وهيئات شعبية وناشطين فرديين وأحزاب جديدة، لاعباً أساسياً في المعادلة السياسية، على أن مستقبل تأطره واستمراره يتوقف على المسارات السياسية المستقبلية.
رهانات القوى الحاكمة وعقبات الحراك
هناك ديناميكيتان رئيسيتان تلعبان دوراً في توجيه بوصلة المشهد السياسي في لبنان على المستويين الشعبي والسياسي، ففي حين يستمر الحراك الشعبي وتتركز أهدافه أكثر فأكثر، يتحرك المسار السياسي ضمن صراع بين القوى السياسية الحاكمة على المعادلة القائمة.
بشكلٍ عام، تميز أداء القوى المشاركة في الحكومة بالارتباك إزاء المظاهرات الشعبية وحاولت تقديم « ورقة إصلاحية » أعلنها رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، وتضمنت تخفيضاً لنفقات في إدارات متعددة وتقليصاً لبعضها، لكن الشارع اعتبرها غير كافية وأكمل تحركاته بقطع الطرق والتظاهر أمام رئاسة الحكومة ولم يهدئ من روع المحتجين قليلاً إلا تقديم سعد الحريري استقالة حكومته بخطوة غير منسقة مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.
وترتبط رهانات اللاعبين الأساسيين بتبرؤها من المسؤولية فيما آلت إليه الأوضاع من جهة، ومحاولة بعضها الآخر الاستفادة من الحراك الشعبي لتغيير المعادلة السياسية القائمة منذ عام 2017 وانتخاب العماد عون رئيساً، والتي قامت على ما اصطلح عليه في لبنان بـ »التسوية الرئاسية » أي التفاهم بين التيار الوطني الحر وسعد الحريري، وضمناً ربط النزاع بين الحريري وحزب الله.
فمن جهة التيار الوطني الحر، الركيزة الشعبية الداعمة للرئيس عون، تمثلت إشكاليته في صدمته إزاء محاولة شرائح في الحراك توجيه الاعتراض على الرئيس عون ورئاسة الجمهورية، في الوقت الذي يعتبر « التيار الوطني » نفسه أنه رفع مشروع مواجهة الفساد والتغيير والإصلاح في الأداء المالي والاقتصادي منذ عام 2005، وقد عمل على استيعاب الهجوم عليه في موازاة حماية رئاسة الجمهورية ومحاولته توجيه الاعتراض صوب القوى السياسية التي شاركت في الحكم منذ عام 1992 تاريخ الانقلاب على رئيس الحكومة آنذاك عمر كرامي ووصول رفيق الحريري إلى السلطة مع النهج الاقتصادي ذي البعد الليبرالي المتفلّت بالتحالف مع مليشيات الحرب.
وتقدم التيار الوطني الحر في اتجاه التركيز على مطالب رفع الحصانات عن المسؤولين واستعادة الأموال المنهوبة ورفع السرية المصرفية، في توجيه نحو الواقع الاقتصادي والاجتماعي واعتبار المطالب السياسية غير مشروعة في الوقت الراهن.
وبشكل عام، يعتبر كل من التيار الوطني الحر وحزب الله أن هناك محاولة واضحة لانقلاب في المعادلة السياسية انطلاقاً من استغلال الحراك الشعبي القائم على مطالب محقة اقتصادية واجتماعية.
في المقابل، برز محور الذين حاولوا الاستفادة من الحراك الشعبي لتحسين شروط المعادلة السياسية الحالية، وكان الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية المبادرَين للاستغلال السياسي عبر توجيه وليد جنبلاط سهام الانتقاد إلى مَن تعمد وصفه برجل « الاستبداد » وزير الخارجية جبران باسيل وفي اتجاه الرئيس عون أيضاً، في الوقت الذي ركزت فيه القوات اللبنانية على الاختباء وراء المحتجين وعلى خطوة ميدانية بالغة الخطورة تمثلت في مشاركتها قطع الطرق من الساحل الشمالي حتى بيروت وفي قلب المنطقة المسيحية في جبل لبنان، ما أثار هواجس من الحرب الداخلية بين الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون آنذاك والقوات اللبنانية في أواخر الثمانينيات، وذلك قبل أن يبادر الجيش اللبناني متأخراً إلى فتح الطرق وفق استراتيجية اعتمدها وفق مبدأ عدم الاصطدام بالمتظاهرين وإراقة الدماء.
أما رئيس الوزراء سعد الحريري فقد أضاف نفسه على لائحة قوى السلطة التي تحاول الاستفادة من الحراك الشعبي لرمي المسؤولية عن نفسها وإعادة إنتاج المعادلة السياسية بطريقة أكثر إراحة له، وهذا ما برز في استعادته قسماً كبيراً من شارعه السُني الذي ينظر إليه على أنه تخاذل إزاء قوة حزب الله والتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية منذ عام 2016 بعد تقديم استقالة حكومته.
وفي وقت نظر التيار الوطني الحر وحزب الله إلى هذه الاستقالة بانزعاج، فإن شكلاً جديداً من العلاقة بين جبران باسيل وسعد الحريري سيرتسم في الفترة المقبلة، وسط سعي من الحريري إلى الاستفادة من الواقع الجديد لمحاولة تعزيز مواقعه الشعبية والسياسية، في مقابل سعي من « التيار » بالتنسيق مع الحزب لوضع حدود لطموحات الحريري وتأكيد حضورهما الشعبي والسياسي في المعادلة.
وكان حضور مطلب الانتخابات المبكرة وفق قانون انتخابي جديد في عدد كبير من دوائر الحراك الشعبي إحدى أبرز العلامات على تخطي الشعارات والأهداف الاقتصادية والاجتماعية، لصالح إعادة إنتاج المعادلة السياسية التي يعتبرها فرقاء قوى « 14 آذار » أنها راجحة لمصلحة حزب الله والتيار الوطني الحر، كونها أنتجت أكثرية لهما في مجلس النواب على أثر انتخابات عام 2018 التي جرت لأول مرة وفق نظام النسبية مع الصوت التفضيلي الواحد في الدائرة الانتخابية.
الآفاق المحتملة
يتوقف مستقبل الحراك الشعبي الاعتراضي على تفاعل الديناميكيتين الرئيسيتين اللتين تحركه وتؤثر عليه، بالتوازي مع معضلة مواجهة مخاطر الانهيار المالي الجاثم فوق لبنان وسط استمرار وكالات التصنيف الائتماني الدولية بتخفيض مستوى لبنان.
فعلى المستوى الشعبي، أنقذ فتح الجيش اللبناني الطرق الرئيسية الحراك من طفيليي الاستغلال السياسي ليوجه نشاطه في اتجاه أهداف محددة ووفق خطوات شعبية محصورة، بما فيها اعتصامات ومظاهرات أمام دوائر الدولة وما تُعتبر أنها دوائر للفساد والاستغلال. وفي حال استمرار توجيه الحراك في اتجاهات مركزة اقتصادياً ومالياً، فإن كرة الحراك ستكبر وستقوى مدعومة من شوارع وبيئات قوى أساسية مشاركة في السلطة وحتى من قبل أحزاب بعينها تعتبر أن مواجهة الفساد هدف رئيسي من أهدافها.
وعلى المستوى السياسي، فإن القوى السياسية ستستمر في محاولة الحفاظ على مواقعها وتوازناتها، وتبادل الكرات فوق ملعب الحراك الشعبي، على ما برز في الاجتماعات الأخيرة بين رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري، والتي عمل فيها باسيل على رد الكرة للحريري مؤيداً مطلب تشكيل حكومة من دون القوى السياسية الرئيسية، مقابل عدم ترؤس الحريري نفسه هذه الحكومة.
تبقى الديناميكية الرئيسية في تفجير الأوضاع اللبنانية أو الحفاظ على الاستقرار وهي الرهانات الدولية والإقليمية جاثمة بقوة فوق لبنان الذي اعتبرته وسائل إعلام وأوساط أمريكية موقعاً يجب الحفاظ عليه بعد « خسارة » سوريا لصالح النفوذ الروسي الراجح.

Leave a Reply