دولي

تحالف خصوم الأمس : هل يخدم مقتل « البغدادي » تنظيم القاعدة؟

أثار إعلان الرئيس الأمريكي « دونالد ترامب »، نهاية أكتوبر المنقضي، مقتل زعيم تنظيم داعش « أبو بكر البغدادي » إثر عملية عسكرية استهدفت مخبأه بمحافظة إدلب السورية، جملة من التساؤلات حول مستقبل التنظيم.. هل سيختفي تنظيم داعش إلى الأبد أم قد يتمكَّن من ترتيب صفوفه خلال فترة زمنية، طالت أم قُصرت، والعودة من جديد بصورة ربما تكون أكثر ضراوة؟
ثمة فرضية تبنَّاها البعض حول إمكانية تحالُف تنظيمي القاعدة وداعش، فالمصلحة الآن تقتضي وضع الأمور الخلافية جانبًا والاتحاد من جديد، لا سيما أنَّ أنصار هذه الفرضية يروْن أنَّ الخلافات التي فرَّقت بين التنظيميْن هي خلافات ارتبطت بزعيم القاعدة « أيمن الظواهري » وزعيم داعش « أبو بكر البغدادي » ولكنها انتفت الآن بمقتل الأخير.
وهي فرضية ربما تعزِّر من جاذبية تنظيم القاعدة الذي دائمًا ما يروِّج لنفسه باعتباره الأكثر نضجًا وتعقُّلا من داعش، ولعل من أبرز المقالات التي بلورت مثل تلك الفرضية ما نُشِر على موقع مجلس العلاقات الخارجية بعنوان « مقتل البغدادي: هل يصب في صالح تنظيم القاعدة؟ » للكاتبيْن بروس هوفمان، الخبير بالمجلس، وجاكوب وير.
ارتأى الكاتبان أنَّ الأيام المقبلة، عقب الإعلان عن مقتل زعيم تنظيم داعش « البغدادي »، قد تشهد تحالفًا بين خصمي الأمس وهما فلول داعش في العراق وسوريا وتنظيم القاعدة، ولو تحقَّقت هذه الفرضية على أرض الواقع، فإنَّ الأمر لن يقتصر على البقية الباقية من داعش في العراق وسوريا فحسب؛ بل ستمتد أيضًا إلى التنظيمات الإرهابية التي بايعت « البغدادي » في القارة الأفريقية وجنوب آسيا.
وإذ ذاك سيصبح العالم بصدد نموذج إرهابي لا يُفْنى بل يُجدِّد نفسه باستمرار ويعاود الظهور في نسخ جديدة حتى ولو أعلن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة نجاحه في دحر داعش بصورة شبه كاملة.
وأورد المقال محفِّزيْن رئيسييْن قد يدفعان بالاتجاه نحو تحقٌّق هذه الفرضية؛ أولهما أنَّ الخلاف بين تنظيمي داعش ليس خلافًا جوهريًا في الأيديولوجيات والمعتقدات، إنما هو خلاف منبعه « الأنا » والرغبة في الزعامة لدى قائدي التنظيميْن، وهذا الأمر قد أفضى إلى انفصالهما في عام 2014، ولكن المصلحة اليوم قد تقتضي وحدة التنظيميْن وتحالفهما مجددًا.
ومن ثم فإنَّ الأسباب التي كرَّست القطيعة والمنافسة بين زعيمي التنظيميْن « البغدادي » و »الظواهري » قد انتفت بمقتل الأول، فضلًا عن ذلك، فإنَّ « البغدادي » كان يتمتَّع بزعامة كاريزمية وحضور طاغ أهَّله لتنصيب نفسه خليفةً للمسلمين، وبالتالي من الصعب تصوُّر من القادر على خلافته وملْء فراغ السلطة أو الزعامة بعد مقتله. وهذا الأمر يرجِّح انتقال البقية الباقية من داعش ليكونوا تحت مظلة تنظيم القاعدة وزعيمه « الظواهري » بعد مقتل زعيمهم الذي لطالما التفوا حوله.

أما المحفِّز الثاني، فيتمحور حول قدرة تنظيم داعش في الوقت الراهن على تجنيد المقاتلين الأجانب أو الارتكان إلى « الإرهاب الناشئ من الداخل » بمعنى الاعتماد على مقاتلين أجانب وُلِدوا وترعرعوا في الغرب لتنفيذ هجمات هناك، وهي قدرة شهدت كثيرًا من الاضمحلال بعد الهزائم المتتالية التي مُني بها التنظيم والأراضي التي خرجت من قبضته؛ فحملات التجنيد الإلكترونية التي يدشِّنها تنظيم داعش لم يَعُد لها ذات البريق الذي كانت تتمتَّع به في السابق.

جيل جديد من الإرهابيين
أكَّد الكاتبان أنَّ مقتل رأس أي تنظيم إرهابي يقود إلى ارتباك صفوفه، وإضعاف قدرته على الحشد والتعبئة، ومقتل « البغدادي » يحمل التبعات ذاتها على تنظيم داعش لكن وجب التنويه إلى أنَّ الإرث الذي خلَّفه « البغدادي » سيظل باقيًا؛ لأنَّه في نظر أتباعه القائد الذي ضحى بروحه وفجَّر سترته الناسفة بعدما حاصرته قوات أمريكية في نهاية نفق في إدلب في عملية عسكرية استهدفت مخبأه، بيْدَّ أنَّ هذا الإرث لا ينفي على الإطلاق فقد تنظيم داعش قدرته على تجنيد المقاتلين في الوقت الراهن، كما أنَّه ليس بقادر على إعادة ترتيب صفوفه.وهذا الأمر سيصب في صالح تنظيم القاعدة، الذي دائمًا ما يرِّوج لكونه التنظيم الأكثر نضجًا وتعقُّلًا والأقل وحشية من داعش، وبالتالي، قد تشهد الأيام المقبلة مزيدًا من الترويج لهذه الصورة الذهنية، مما قد يزيد من جاذبية القاعدة لدى مقاتلي داعش، ومن ثم قد يظهر جيل جديد يجمع بين الولاءيْن الداعشي والقاعدي.
والأرجح أنْ يعمل تنظيم القاعدة على استقطاب مقاتلي داعش الذين اخْتصوا بإدارة حملات التجنيد الإلكترونية، وكلها عوامل تعزِّز من جاذبية تنظيم القاعدة وتصدُّره للمشهد من جديد.

ولن يؤدي مقتل البغدادي إلى تغيير في دعاية « داعش » التي تنتشر عبر تطبيقات التواصل وزوايا الإنترنت المظلمة، بعكس حالة دعاية تنظيم « القاعدة » بعد مقتل بن لادن، حيث تتناقض مكانة الأول، ضمن حركة الجهاد العالمية، مع دور الثاني. والدليل على ذلك أن البغدادي طوال فترة بروز « داعش » لم يدل سوى بملاحظات عامة قليلة، منها فيديو إعلان الخلافة في الموصل، بعكس الوجود المكثف لبن لادن في دعاية « القاعدة » منذ نشأتها وحتى اليوم. أي أن ما جذب العديد من الأجانب والمحليين إلى « داعش » كانت دعاية التنظيم غير المسبوقة وحساباته الناشطة عبر وسائل الاعلام الاجتماعية التي يديرها مقاتلو التنظيم أنفسهم، وهو ما يكرره باحثون متخصصون في الشؤون الجهادية، مثل أوتسو إيهو من مركز « آي إتش إس جين للإرهاب والتمرد »، و تشارلي وينتر وهو باحث بارز متخصص في دراسة دعاية « داعش » في مركز لندن الدولي لدراسة التطرف، منذ سنوات.
وبالطبع لم يناقش إعلام النظام كل ذلك، بل اكتفى بعرض تاريخي لقادة التنظيمات الإرهابية، مع القول أن كل رئيس أميركي يقوم بقتل القائد الإرهابي السابق الذي صنعه سلفه ويقوم بدوره بصنع إرهابي بارز جديد، من أجل الحفاظ على الدور الأميركي في المنطقة عبر « إعادة توليد العدو ». ويتم تصوير النظام وحلفائه هنا، كمحور يقاتل ذلك الشر من أجل العدالة والأمان، لتحصيل مزيد من الشرعية المفقودة أمام جمهور الممانعة المحلي.

وختامًا، يؤكِّد المقال على أنَّ القواسم المشتركة التي تجمع بين تنظيمي القاعدة وداعش غدت أكبر بكثير من الأمور التي فرقتهما في السابق.وهذه القواسم المشتركة مستقاة من الأفكار العقائدية التي روَّج لها كلٌّ من « عبدالله عزام » و »أسامة بن لادن » وتقوم على نصرة الإسلام والمسلمين في أية بقعة من العالم وتكفير من لا يسير على نهجهم ومحاربة الأنظمة الغربية والأنظمة السياسية في الدول العربية والإسلامية وزعزعة استقرارها، وهي أفكار تمثِّل جوهرًا لأي تنظيم راديكالي يتخذ من الدين الإسلامي شعارًا له، وإنْ اختلفوا في بعض الفروع والمسائل أو الجوانب التكتيكية أو مدى الوحشية والضراوة التي تكشف عنها ممارساتهم الإرهابية.

Leave a Reply