ثقافة وفنون

الأديب الفلسطيني « نازك ضمرة » في حواره للأمة العربية :  » الإبداع محبة و الاهتمام بتراثنا العربي هو الأرضية لأمن ثقافي موحد »

حاورته: دليلة قدور

هو روائي قاص ناقد و مترجم، فلسطيني مقيم بأمريكا، له العديد من المواليد الحية النابضة التي تعبر عن نفس الشارع والإنسان المظلوم، يبتغي الحب و السلام و يبحث دوما عن الجمال و تذوقه، فهو الطفل الهائم حتى و لو بدا في صحو تتلبسه هموم البوح، تعيش في خلده فلسطين وعبر سطوره يحاول دوما التشبث بأرضه مخاطبا الضمائر و العقول بأسلاك متخيلة متشعبة. إنه الأديب الأصيل « نازك ضمرة » الذي يحمل روح الجزائر أدبا وثقافة و طموحا.
« الأمة العربية »: بداية لو طلبت من الأستاذ « نازك ضمرة » أن يصف علاقته بالجزائر، ماذا يقول؟
الأديب الفلسطيني « نازك ضمرة »: سأحاول أن أحصر كلامي للتحدث عن ما علق بهذه الرأس عن الجزائر، لا بل سأضطر للحفر عميقا عن همومي عن الجزائر عبر عقود عمري الستة الأخيرة، وكيف تشكلت رغبتي الحارقة بالعيش أياما على أرض الجزائر المحررة.
قبل ستين عاما بالتمام، كنت بعمر 22 عاما ومدير مدرسة ابتدائية في قرية صغيرة، لا يتجاوز عدد طلابها الستين طفلا، تمنيت أن يتاح لي المجال وقتها للوصول للجزائر متطوعا مشاركا رجالها الشجعان في تحريرها، وطرد المستعمر عن أرضها، أدركت مع الكثيرين غيري من الفلسطينيين المنكوبين وقتها –وأتحدث عن عام 1958، وكان قد مضى على نكبة فلسطين عشر سنوات، ولأنه لم تسمح لنا أي دولة عربية مجاورة أو حول فلسطين أن نقارع الأعداء الصهاينة،لا بل وجدنا الكيد والسجون والتعذيب من جيران دولة فلسطين لكل من يحاول اقتحام حدود العدو في فلسطين، ونسميهم (إخواننا العرب) الذين وجدنا منهم كل شر وكل ضيق وحرمان من المواطنة الكاملة أو التحرك للجهاد، فوجدنا الساحة الجزائرية ميدانا مناسبا للتدرب والمساهمة في تحرير جزء عربي عزيز، معتقدين أنها أول ثورة صادقة ومعبرة عن رغبة الشعب بالتحرر من الاستعمار، وبعدها ظننا أن نيران التحرير ستنتشر في بلاد عربية أخرى، لم نجد أي تشجيع محلي لفكرتنا في التطوع ولا في الحماية ولا في الانتقال للجزائر، لم نستطع أن نتحرك لضعف الحال ولا أن نتواصل مع أبطال ثورة الجزائر،. ففكرنا بأضعف الإيمان وهو جمع التبرعات المادية كبديل عن المشاركة في الجهاد على أرض الجزائر، كنت أول المتحمسين للفكرة وعملت حفلة وتمثيليات وطنية وحماسية وأناشيد لسكان القرية الفقيرة جدا، لتحفيزهم على التبرع بأي شيء، فاستطعنا جمع عشرة دنانير أردنية ونصف الدينار، هذا المبلغ وقتها تعادل عشرة آلاف دينار في وقتنا الحاضر.
…في الحقيقة ظل حلم زيارة الجزائر يراودني و لم أتمكن من زيارتها حتى عام 2019، أين كنت في الطائرة محلقا في سماوات الانطلاق نحو الأمل والعشق العميق للجزائر وأهلها ، والتوق للعيش على أرضها المباركة.

كيف يمكن لكاتب يعيش الاغتراب بكل وجعه أن يجسد مفهوم المواطنة و الانتماء لقيمه الثقافية، هل الكتابة وحدها تكفي؟

إن الأديب هو ابن مجتمعه، ابن أسرته وابن بيته وابن حارته وابن وطنه، والعمر هو مجموع الأيام التي عاشها الإنسان بأحداثها وهمومها وفرحها وترحها، يظهر أنني أدمنت الاغتراب، فقد اضطررت للجوء له في سنوات الطفولة، وكل الهجرات والانتقالات والتشتت زودني بمناعة حصينة، كي لا أنسى واجبي الوطني نحو فلسطين والأرض والإنسان والعدالة، بل زاد من وهجي وإحساسي بالحصار أينما توجهت، لأن فلسطين سرقها الدخلاء على حين غفلة من أهلها الأصليين، وعلى مرأى من العالم العربي المتفرج، ولا نريد أن نفضح أنفسنا لنقول أن معظم الحكام العرب ساهموا في تثبيت إسرائيل وتشتيت الفلسطينيين وإضعافهم وحصارهم وتقييدهم، كي لا يتمكنوا من تجميع أنفسهم والاستعداد لجولات من الكفاح ومقارعة الأعداء. ولهذا لو تأملتم أي كتاب قصصي أو روائي أو أي مادة أكتبها تجدها تكشف الهم الذي يعتريني، شعورا بواجبي نحو شعبي وأرضي المقدسة، والتي بارك الله فيها، في محكم كتابه العزيز، وأذكركم بالآية الكريمة التي تقول ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)) أي أرض فلسطين وشعب فلسطين.
هل تعاطيك مع الكتابة الإبداعية لازال بذات الوهج مع اكتساح شبكات التواصل الاجتماعي الحياة الثقافية و التخلي التدريجي عن الكتاب الورقي؟
في حالتي أحس أن الكتابة بالنسبة لي قدر، تعيش معي ليل نهار، وأعيش معها واقعا وحالما ومتخيلا وسارحا حين تخلو لي الأجواء، لا يوقفني عن التفكير بالكتابة إلا الثرثرة والتجمعات الغوغائية، أما في البيت والوحدة والشارع والنزهة والسفر والنوم، فأنا أعيش الكتابة والتفكير الكتابي، فلا يهمني ما يتجدد، فأنا نفسي متجدد، وللعلم ومع أن عمري جاوز الثمانين عاما، إلا أنني أعيش بعقول الشباب، وأحب الحياة، وأرحب بكل معطياتها الحديثة والمتجددة ، فانتشار التواصل الاجتماعي الافتراضي، لم يوقفني عن مساري الصاعد، بل بالعكس أرى أنه سهل عليّ الكثير في حياتي وتعاملي مع الأدباء والأصدقاء والصديقات، وحين أمل من القراءة أو الكتابة، لي أصدقاء وصديقات اعتز بهم وبهنّ، وكلهم يسـرّون عني ويدفعونني للمزيد من الإبداع والتجدد والإنتاج، لو حاول عدة أفراد تفقد ومراجعة ما يحتويه جهازي الكمبيوتر من مواد أدبية ونقدية وفنية وشعرية وترجمة لاحتاجوا إلى شهور طويلة للإلمام بكل ما كتبت حتى الآن، وفي مختلف مجالات الحياة،
أعرف جيدا أن الكتاب بدأ يبتعد عن أيدي وأعين القراء من الشباب، وحتى ومع وجود المواقع الأدبية الالكترونية، لكن الزمن ليس في صالح هذا المدّ، وأبشر بأن المستقبل هو للكتاب، و الدولة المخلصة تستطيع تنظيم هذا الأمر، وإعادة الزخم لاقتناء الكتاب لو أرادت، وخاصة بلجم وتقنين تصرفات دور النشر التي لا يعنيها الأدب والفن والعلم قدر ما يهمهم المغنم المادي العاجل والفوري قبل اطلاع الكاتب نفسه على كتابه.
قال الدكتور « عبد الملك مرتاض » إن السحر اللغوي إذ غاب عن العمل الإبداعي غاب عن كل شيء غاب الفن و غاب الأدب معا، مارأيك؟
من الصعب على أي إنسان توصيف السحر اللغوي، ومع احترامي لرأي الدكتور « عبد الملك مرتاض ولفكرتكم عن هذا الموضوع، فأي كتابة يستطيع الحكم عليها أي قارئ جيد ومثقف جيد، فالعمل الإبداعي يكشف نفسه بنفسه، وبدون تمحيص أو شروط، على أية حال فإن كان النص غير إبداعي فليس له حياة حتى لو فرض على الحياة، وكم من كتابات قديمة كانت مؤثرة وفاعلة وقدوة، لكنها في عصر ال ما بعد الألفين، أصبحت (أوبسوليت) أي مهجورة لا تجد من يقترب منها أو يطريها، فالإبداع حياة، الإبداع محبة، وهو هندسة غير مقصودة تلد هكذا لا يلزمها رتوش أو تحسينات، وليست كالموضة تماما ولو أنها تقترب منها، فالنص الإبداعي يولد معلنا عن وجوده جاذبا لمعظم حواس الإنسان، وهنا أيضا يختلف عن الموضة التي يشارك في الاستمتاع بها حاسة النظر والمخفيات العقلية المتخيلة لاقتناص الجمال والاستئثار به، كإنسان مفرد، وهنا أيضا بعكس النص الأدبي الذي يظل مشاعا لكل من شاهده ولمسه واقترب منه وعايشه وعاشره.
هل يمكن القول إن قارئ « نازك » استثنائي عليه امتلاك خلفية معرفية؟
قارئي لا يلزمه إلا أن يكون جيدا في قراءة اللغة العربية السهلة، وحتى لو كانت بعض من كتاباتي تتطرق إلى مواضيع فلسفية أو نفسية أو تاريخية، فأسلوب عرض هذه البضاعة الكتابية، تجعل القارئ باحثا ومتابعا ليفهم ما أثيره من نقاط تكون جزءا من قصة أو رواية أو حدث، فتكمل الشطحات بعضها بعضا لتشكل عالما قصصيا نازكيا، اختص به، ولا أستطيع وصفه بأكثر من ذلك. فلا ألجأ إلى لغة المعاجم، وأحاول أن لا أنزل للغة الشارع والمحكية، ويبقى فن السرد وفهم الحداثة في التعبير والتجدد والنمو والتفوق على الماضي، ومحاولات التفوق على نفسي أحيانا.
في تقديرك، كيف يستعيد المثقف العربي موقعه الريادي للخروج من وضع التخلف ؟
الدولة مقصرة، بل هي مساهمة في الفوضى التي سماها الأجنبي (الفوضى الخلاقة) لأنها تقف متفرجا أما هذا المد الغربي والانقلاب الحضاري المفاجئ، وعبر الانترنت والتواصل المفتوح، فلا تهتم الدول العربية كلها بلا استثناء لا بالفكر، ولا بتخطيط مناهج الدراسة، ولا بتشجيع الأدباء الجادين الملتزمين، بل بالعكس هو الحاصل في سوق الكتاب والكتابة، كل من كان قادرا على نشر كتابه حتى لو كان سخيفا ولا يستحق النشر، نراه مزوقا وجاذبا للعين والعقل لكن محتواه هش لا يحمل أي هدف أو معنى للحياة ولا للترفيه ولا للفلسفة أو الحقيقة. وإهمال الدولة أنتج الإرهاب، فالحرية غير الملتزمة والشرود الذهني والتقليدي والمنقول يؤدي لشذوذ وانحراف عن المعقول والمتناغم، فنجد التطرف اليساري، والتطرف اليميني، والتطرف الغوغائي، والتطرف في الجنس والتحرر الصارخ في اللباس أو المحاكاة مما يخلف الكثير من العبث والشذوذ والتمرد والإرهاب. والطفل هو أمل المستقبل، فلو كانت مناهج التعليم في المراحل الدراسية أخلاقية متناغمة ملتزمة متجددة، ستجعل من الأجيال القادمة متقاربة في الفهم والوعي والتضامن.
وهنا يأتي دور المثقف المتلزم، فهو مكمل لشخصية وفكر الشباب والصبايا، وفي نظري أن كل كاتب في أي فن كتابي، هو مصلح يعمل بطريقته وأسلوبه ولغته ونصوصه لأهداف سامية.
هل تتفق معي إن قلت أن الأمن الثقافي العربي ضرورة عاجلة إذا ما وفرنا أرضية للإنتاج الفكري في حقول معرفية ووظيفية مختلفة؟
يلزمنا أن نعرف الأمن الثقافي العربي وتوضيحه إن وجد، مع أنني أشك في وجود شيء اسمه الأمن الثقافي العربي، بل هو كلام شفوي لا ضوابط له، وتفسير هذا التعبير سيختلف باختلاف الأفراد أو المثقفين، فهل المقصود بالأمن الثقافي العربي الإصرار على حماية اللغة العربية في التعبير والتواصل والنظام؟ أو هو حقن لمعرفة معمقة في عقول النشء للالتزام بالأنظمة التي تسير الدولة بموجبها، وبسبب اختلاف السلطات والدساتير والقوانين بين الدول العربية، فلم يكن ممكنا حتى تاريخه كلاما منضبطا يشرح لنا ضرورة الأمن الثقافي العربي، كثيرون يتوقعون ويتوجسون من سيطرة الثقافة الغربية وغزوها لعقول المواطن العربي، لكن هذا العجوز غير قلق من هذه الناحية، فعناصر حياتنا العربية متشابهة في جميع الأقاليم الناطقة بالعربية، ولا خشية من سيطرة الوعي الأجنبي على عقول غالبية الناس، وبسب وضوح الطمع الغربي بالثروات العربية، وبالأرض العربية الإستراتيجية والمنتجة فأصبح مفهوما لدى غالبية الناس أن الغرب هو طامع غريب شاذ يريد أن يعيش على ثروات العرب وينهبها حتى يحرم المواطنين من الاستفادة القصوى منها. هذا الفهم أو بعد توضيحه وانفضاحه يضمن لنا الحد الأدني بتوفر الأمن الثقافي العربي، ولأن تراثنا في كل البلاد العربية يعتمد على الدين والقرآن، فهما يساهمان في توفر الأرضية المناسبة لأمن ثقافي متقارب يسهل توحيده ودمجه لو اجتمعت.

Leave a Reply