دولي

مظاهرات العراق : انتفاضة خبز أم ثورة على النظام؟

رغم إعلان الحكومة العراقية توفير بعض الوظائف وبيع البنزين لأيام عديدة بدون مقابل، إلا أن المظاهرات دخلت شهرها الثاني ولا تزال مستمرة ويقع مئات القتلى وآلاف الجرحى. ولعل استمرار المظاهرات جعل البعض يتساءل: هل ما يحدث في العراق « انتفاضة خبز أم ثورة على النظام السياسي؟ »، الذي أسسه بول بريمر ودستور 2005، وأخرج نظاما سياسيا محاصصيا طائفيا سمح لإيران ومليشياتها السيطرة على مفاصل الدولة العراقية.
وبول بريمر عيّنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش رئيسا للإدارة المدنية للإشراف على إعادة إعمار العراق في 2003، حيث بات رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة في بغداد. ورغم مرور أكثر من 5 أسابيع على الاحتجاجات فلا يزال زخم وإصرار وحماس العراقيين يسيطر عليهم، بعد أن سجلوا في ظهورهم الأخير أكبر عدد منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، فيما لا تزال ساحة التحرير ببغداد تعج بآلاف المعتصمين.وهنا تطرح مجموعة أسئلة نفسها.. إلى أي مدى يمكن أن تذهب انتفاضة أبناء الرافدين مع إصرار إيران التمسك بمكاسبها التي بدأت تترنح تحت أقدام ثوار العراق؟ وهل سرعة حضور قاسم سليماني لاجتماع الكتل العراقية والتوصية ببقاء عادل عبدالمهدي رئيساً للحكومة دليل جديد على نفوذ طهران أم دليل قلق وخوف؟ وما المخارج التي يمكن أن تشكل « خريطة طريق » تحفظ لتلك البلاد وحدتها وتعيدها من جديد لأمتها العربية؟

إيران وليس الحكومة العراقية

كان لافتاً أن غالبية المتظاهرين الذين حاورتهم وسائل الإعلام لم يتحدثوا عن الحكومة العراقية، وجاء حديثهم بضرورة توقف إيران عن التدخل في شؤون بلدهم الداخلية عبر 56 مليشيا تابعة لها، وهو ما يعني أن « المسكنات الاقتصادية » التي أعلنتها حكومة بغداد والبرلمان لن تعيد المتظاهرين إلى بيوتهم، وأن 16 عاماً من كل أنواع الفساد هو نتيجة نظام سياسي ليس من بين أهدافه مساعدة العراقيين.وهناك مجموعة من « المشاهد » التي تؤكد أن مظاهرات العراقيين تهدف إلى تغيير شكل وطبيعة وارتباطات « النظام السياسي » وليس الحصول على « كسرة خبز » ومنها:

-1هذه المظاهرات ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها مظاهرات كثيرة طالبت بتحسين الأوضاع الاقتصادية، وانتهت في السابق لمجرد وعود وإجراءات شكلية قدمتها الحكومة، لكن هذه المظاهرات خرجت من أجل تحقيق « مطالب سياسية »، فهي ترفض الاكتفاء بخطوة استقالة رئيس الحكومة، وتريد تغييراً جذرياً للنظام السياسي لأن الوعي الجماهيري أدرك أن المشكلات الاقتصادية هي نتيجة « فساد سياسي » قبل أن يكون فساداً اقتصادياً.

-2أدرك العراقيون بكل طوائفهم أن « صيغة بريمر » للحكم الطائفي منذ 2003 استفاد منها طرفان ليس من بينهما الشعب العراقي، وهذان الطرفان هما إيران والطبقة السياسية التي تتماهى مصالحها مع طهران.

-3كان واضحاً التأكيد على ضرورة استقلالية القرار العراقي، وعدم تحول هذا البلد لساحة يصفي الآخرون فيها خلافاتهم، وربما هذا نابع من شعور المتظاهرين بأن إيران تستخدم دولتهم كجبهة في خلافاتها مع الولايات المتحدة.

وقد أعلن أكثر من مسؤول إيراني بأن الهجوم على إيران سيواجه برد فعل ليس من طهران وحدها بل في جبهات عدة، وكان يشير لميلشيات بلاده في العراق ولبنان وسوريا واليمن، يترافق مع ذلك ما كشفه أكثر من تقرير دولي عن تحريك نظام ولاية الفقيه جبهات المليشيات بما يخدم مصالحها خاصة بعد حملة الضغط القصوى التي تطبقها الولايات المتحدة على إيران منذ 4 نوفمبر 2018.
وعلى سبيل المثال قالت تقارير متطابقة إنه في الوقت الذي نشط فيه إطلاق الحوثيين الطائرات المسيرة على السعودية، كانت إيران تحاول « تجنب مزيد من الانخراط الإسرائيلي » في جبهات سوريا ولبنان، بعدما أدركت طهران أن مليشياتها في العراق مستهدفة من الجانب الإسرائيلي.
-4أدرك العراقيون أن قتل المتظاهرين بدم بارد واتهامهم بأنهم ينفذون أجندة خارجية ما هو إلا تطبيق « للنموذج الإيراني » في سحل الثورات والانتفاضات، وكان هذا واضحاً من خلال استعداد قاسم سليماني لتقديم « خبرة طهران » في سحق « المظاهرات الخضراء » التي وقعت في بلاده منذ 2009 للحكومة العراقية، وهو ما يعني تحريضا واضحا على قتل العراقيين وعدم الاستجابة لمطالبهم.
-5تأكد العراقيون أن الخطوات الشكلية والبسيطة لا يمكن أن تتم بدون رضا وقبول ومباركة إيران، وخير دليل على ذلك اتفاق الزعيم مقتدى الصدر رئيس كتلة « سائرون » مع هادي العامري رئيس كتلة « الفتح »، على إقالة حكومة عادل عبدالمهدي، لكن بعد اعتراض إيران رفض « العامري » تلك الإقالة مما دفع « الصدر » للإعلان عن عدم تحالفه معه مرة ثانية.

رهانات خاطئة

ورغم هذا الوعي والإدراك من جانب المتظاهرين بأن مشكلتهم سياسية وليست اقتصادية فإن العراق العضو في منظمة « أوبك » ورابع مصدر للنفط في العالم لن يستطيع أن يوفر الكهرباء والماء والأمن لمواطنيه في ظل حكومة عادل عبدالمهدي ونخبته، إضافى إلى أن هناك في إيران وبعض عناصر الحكومة يراهنون على مجموعة من العناصر لبقاء الحال دون تغير، ومن هذه الراهنات:

أولا: الرهان على عامل « الوقت »، وأن هؤلاء المتظاهرين سيعودون لبيوتهم كما عاد غيرهم من قبل، وأن تقديم وظائف لبعض العناصر النشطة في حراك الشارع قد ينزع الزخم والحماس عن المتظاهرين، ونسى هؤلاء أن هذا الشارع يختلف عن سابقيه، فالمتظاهرون اليوم عائلات بكاملها، وبها عدد كبير من كبار السن.

كما أن ساحات الاعتصام تحولت كنموذج لعدم وجود إرادة سياسية لدى النخبة المرتبطة بإيران لحل الأزمة، ففي ميدان التحرير ببغداد يتوفر كل شيء، حيث يخدم المتظاهرون بعضهم بعضا، وهذا ما يعطي قوة دفع أكثر للبقاء في الشارع، كما تحدث كثير من المتظاهرين عن أن جعبتهم بها الكثير من الأفكار الخلاقة والمبدعة للبقاء في الساحات أطول بكثير مما تعتقد الحكومة.

ثانياً: الرهان على العنف، فحتى الآن قتل أكثر من 250 عراقيا وجرح الآلاف، وتشير معلومات خطيرة إلى أن الغاز المسيل للدموع الذي يستخدم في العراق أشد 10 مرات من « نسبة الحرق » المسموح بها عالمياً، وهو ما تسبب في هذا الكم الهائل من القتلى والجرحى، ووفق بعض المواقع الأمريكية فإن هذا الغاز جاء من إيران.

ثالثاً: تراهن النخبة السياسية على حماية بعضها بعضا، بمعنى أن بعض الكتل البرلمانية تقول إن تغيير النظام السياسي والطائفي قد يعصف بما يسميه هؤلاء بالاستقرار خلال الـ16 عاماً الماضية، ويشيرون مثلاً للعنصر الكردي، ويتخوفون من عدم وجود استعداد كردي لفتح باب الحصص والنسب التي يتمتعون يها في ظل النظام القائم، وهذا مردود عليه بأن الشعب العراقي بما فيهم الأكراد لم يجنِ أي منهم أي ثمرة من النظام الحالي، وأن المكاسب ستكون لكل العراقيين عندما يتخلصون من النخبة الحالية.

وفي ظل الحديث عن تعقيدات الوضع العراقي يمكن طرح مجموعة من الأفكار لتشكل معالم وخريطة طريق للحل، ومنها:

-1محاسبة المتورطين في العنف وقتل المتظاهرين، فجميع الكتل السياسية نفت ضلوعها في قتل المحتجين، وستكون خطوة من هذا القبيل بمثابة إعادة الثقة في بدء مسار جديد ليس فيه فساد، لكن التستر على هؤلاء القتلة سيكون دليلا جديدا على استمرار الفساد السياسي المتجذر منذ 2003.

-2الدعوة « لانتخابات مبكرة » تفرز حكومة تكون مهمتها تقديم قانون جديد للانتخابات ودستور جديد يعيد للعراق « روح الدولة الوطنية » وليس الدولة الطائفية والمحاصصية، ويطرح هذا في استفتاء عام بالداخل والخارج، وقد يكون ذلك من خلال « حوار وطني » عراقي-عراقي، بعيد عن التجاذبات والتدخلات الخارجية.

Leave a Reply