ثقافة وفنون

الذكرى ال 57 لاسترجاع السيادة الوطنية على الإذاعة و التلفزيون

تاريخ ..وعبرة

دليلة قدور
أحيت أول أمس الجزائر الذكرى ال 57 لاسترجاع السيادة الوطنية على الإذاعة و التلفزيون باستحضار صانعي مجد الإعلام الجزائري من الذين كان النضال يسري في دمائهم و لم يدخروا أي جهد لتحرير مؤسستي الإذاعة و التلفزة من قبضة الفرنسيين، كيف لا وهم الذين رضعوا حليب الكرامة و العزة.. وآنى يطيب لهم استنشاق الحرية و احتفاء بلدهم بالذكرى الأولى اندلاع الثورة التحريرية من عام 1962 والسيادة غير مكتملة ..فيا ترى أي جيل هم الذين انتفضوا ؟

المرحوم  » عبد القادر نور » أحد محرري الإذاعة و التلفزة:

 » عدم نجاح المفاوضات للانسحاب بطريقة حضارية وراء موقف إنزال العلم الفرنسي « 

و لأن الذكرى تستوجب الرجوع لشهادات محرري الإذاعة و التلفزة، ارتأت  » الأمة العربية » إعادة نشر تفاصيل هذا الحدث من خلال ما سرده لنا ذات يوم أحد محرري الإذاعة و التلفزة و هو المرحوم « عبد القادر نور » قائلا:  » إن من أبرز الأسباب التي جعلت مجموعة من الإعلاميين الثوريين يقومون بإنزال العلم الوطني من مبنى الإذاعة و التلفزة هي عدم نجاح المفاوضات للانسحاب بطريقة حضارية، بعد المقابلة السيئة التي قوبل بها وزير الإعلام السيد محمد الحاج حمو من طرف السفير الفرنسي السيد جورج « قورس » حيث حصلت بينهما ملاسنات، حسب قول الحاج حمو نفسه، لأنه طلب منه تسليمه النظام الداخلي للإذاعة والتلفزيون، فرمى له بورقة خالية من أي محتوى، بطريقة فجة ». مضيفا: « غموض الموقف وعدم التنسيق بين الإعلاميين و القيادة الجزائرية و اقتراب الاحتفال لأول مرة في الجزائر الحرة المستقلة بأول نوفمبر تاريخ اندلاع الثورة الجزائرية المظفرة ».

 » البداية كانت بتأمين مراكز البث و الارسال « 

أوضح المرحوم « عبد القادر نور » أن الشيء الذي كان يخيفهم هو الجانب التقني وقد تم الاتفاق مع الأخ عبد الرحمن لغواطى لتولى مهمة البث الإذاعي والتلفزيوني مع رجال عبد الحفيظ بوصوف الذين كانوا أثناء الثورة، في المواصلات السلكية واللاسلكية والإذاعة السرية مع تعاون جميع الذين كانوا في الإذاعة المحلية بالجزائر التابعة لفرنسا، من التقنيين في هذا المجال. مفصلا كيف تم الإقدام على الخطوة من خلال تأمين مراكز البث والإرسال، لسد الفراغ المحتمل، أثناء عملية انسحاب الفرنسيين المستعمرين، من الإذاعة والتلفزيون، ولتفادي أية عملية من عمليات التخريب، وبعد أن تم توزيع مجموعة من التقنيين المجاهدين بطريقة محكمة على المراكز الستة وهي مركز أولاد فايت، برج البحري، مركز شارع الشهداء تلفزيون، مركز شارع الشهداء إذاعة، مركز وهران و مركز قسنطينة، حينئذ نظم اجتماع عام لكل العمال والعاملات في مسرح الإذاعة(نادي عيسى مسعودي) وتكلم عيسى في هذا الاجتماع فقال:  » دماء الشهداء مازالت لم تجف، في القرى والمد اشر، والسهول والوديان، وفي شوارع المدن الجزائرية وأزقتها، لذلك لابد من وضع اليد في اليد، فدوت القاعة بالتصفيق ».

« عبد العزيز شكيري يتولى إنزال العلم الفرنسي رغم كل الأخطار »
أشار « نور » رحمة الله عليه، إلى أن عيسى مسعودي لم يذكر في الاجتماع ما الواجب القيام به، مع رفض الفرنسيين الانسحاب وإنزال علمهم بطريقة حضارية، ورفع علم الثورة الجزائرية، ليتم اتفاق الأربعة وهم عيسى مسعودي, خالد سافر، عبدالرحمن لغواطي, وعبد القادر نور بتعيين الأخ عبد العزيز شكيري بإنزال العلم، وتكليف الأخ خالد سافر نائب المدير العام بإبلاغه، وقد كان لسان حالهم يقول: « يا عبد العزيز اصعد اصعد لاتتردد، والحقيقة أن عبد العزيز تلقى الخبر بفرح وسرور، وكأنه كان ينتظر ذلك، دون مبالاة مما كان ينتظره من أخطار، ولو سقط شهيدا لسقط مبتسما، فتم إنزال العلم. »

 » انسحاب فرنسي بصورة مفاجئة « 

روى  » نور » رحمه الله، أن انسحاب الفرنسيين جاء بصورة مفاجئة بعد إنزال العلم من مبنى الإذاعة والتلفزة، ظنا منهم أنها ستتوقفان لمدة لا تقل عن ستة شهور، و وبعد أن انتشر خبر إنزال العلم وقرار الفرنسيين بالانسحاب خلال 48 ساعة، قام الأخ أحمد بن بلة بزيارة لهم أمسية ذلك اليوم في الساعة العاشرة ليلا، فوجده هو والأخ شكيري، فسأله عما وقع فأطلعه بتفاصيل العملية، ولم يسمع منه إلا هل أنتم قادرون عليها؟ و أجاب حينها: نعم…قال: تفضلوا وهم بالانصراف، ذلك أن الحكومة لم تتخذ المبادرة لأنها مرتبطة باتفاقيات »إفيان ». مستدلا بالمادة 11 من اتفاقية افيان و التي وثقها رضا مالك في كتابه الموسوم  » الجزائر في إفيان تاريخ المفاوضات السرية 1956_1962  » ترجمة: فارس غصوب: و التي تنص في بابها الثاني الخاص بالمبادلات الثقافية: « تحدد طرائق المساعدة التقنية المقدمة من فرنسا إلى الجزائر فيما يتعلق بالإذاعة والتلفزيون والسينما، باتفاق يحدد فيما بعد ».

 » كفى ادعاء..التاريخ يلعن المزيفين »

هذا، و كذب المرحوم « عبد القادر نور » ادعاء ذاك الموسيقي الذي يتعامل بالقطعة في فرقة تابعة للإذاعة الفرنسية بالجزائر » القائل إنه من أنزل العلم, وساهم في تحرير الإذاعة والتلفزة. متسائلا: لماذا انتظروا حتى حضرنا، بعد انتهاء مهماتنا في أجهزة الإعلام التابعة لجبهة التحرير الوطني، عبر الوطن العربي..؟، وهو المدفوع من بعض الذين كانوا في صوت « البلاد » صوت جنرالات فرنسا، فلماذا سكتوا مدة تزيد عن سبعة شهور(7)..؟ والإذاعة والتلفزة تحت فرنسا، والتوجهات تأتي من فرنسا، وكأنها مازالت تحت الاستعمار، لماذا انتظروا..؟ من 19 مارس 1962إلى 28 أكتوبر، وكأنها ما تزال فرعا من المؤسسة الفرنسية للإذاعة والتلفزيون في باريس إلى أن حضر الإعلاميون الثوريون فلم يتحملوا الوجود الفرنسي الكامل.. و أنهى قوله  » كفى ادعاء فالتاريخ يلعن المزيفين ».

هل من تحرر لأهل مهنة المتاعب؟

و نحن نستذكر نضالات الأسلاف لتحرير الإذاعة و التلفزة من قبضة فرنسا الاستعمارية، حري بأهل مهنة المتاعب من أصحاب الضمائر المخلصة أن يأخذوا العبرة في مواصلة النضال لتحرير الإعلام الجزائري اليوم من بعض المفسدين الذين للآسف أضاعوا أخلاقياته و صادروا حرية التعبير و حق المواطن في إعلام كامل وموضوعي و أردوا تمزيق الوحدة الوطنية.

Leave a Reply