دولي

مآلات تنظيم داعش : هل يختفي « داعش » بعد مقتل البغدادي؟

يطوي مقتل أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم « داعش »، صفحة مثيرة من صفحات الجماعات الإرهابية، فالتنظيم الآن أصبح أمام وضع مرتبك يتعلق بالقيادة الجديدة المنتظرة لهذا التنظيم، ومدى انحسار نفوذه، كما يطرح مقتل زعيم التنظيم الأكثر دموية في العصر الحديث تساؤلات حول استراتيجيته الجديدة لإعادة تموضعه ولملمة شتاته.
تشير العديد من المعطيات إلى عدم تأثر تنظيم داعش، في كل العراق وسوريا، فهو مهزوم عسكريا من الأساس، وهو في حالة كمون لحين إعادة ترتيب أوراقه، ولعله من المناسب أن داعش حين ظهر، لم يكن سوى تنظيم سري مسلح، لكن بعد مقتل أبي عمر البغدادي، احتاج التنظيم الى أربعة أشهر حتى استعاد قدرته على القيام بعمليات جديدة، وتولي أبو بكر البغدادي قيادة التنظيم، وحينها تمكن من تحقيق حلم كل المتطرفين بإعلانه قيام دولة الخلافة، التي هي هدف كل التنظيمات.
وعندما حقق انتصاراته العسكرية السريعة وسيطر على ما يزيد من ثلث مساحة العراق، وامتدّ إلى داخل الأراضي السورية، واتّخذ من الموصل العراقية والرقة السورية عاصمتين له، وتوالت البيعة له وللتنظيم، وتضخم التنظيم وأصبح له أتباع في كثير من الدول الإسلامية، على أمل الانطواء تحت راية دولة الخلافة، لكن بعد أن توالت الهزائم على التنظيم، وتمكن قوات التحالف من القضاء على قدراته وبنيته الأساسية كدولة في العراق وسوريا، وهزيمته عسكريا، عاد داعش إلى سيرته الأولى وعمل كتنظيم سري.
ومن ثم يمكن القول إن داعش سيقوم بالاختباء والانتقال إلى أماكن أخرى، والانتظار لحين استكمال قوته للعودة الثانية، وحسم القائد التالي لأبي بكر البغدادي، وهنا يجدر الإشارة إلى أن قدرة التنظيم للعودة ما زالت قائمة، وهذا ما أشار إليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في تقرير قدمه إلى مجلس الأمن الدولي، الذي أكد أن « داعش » يمتلك مبالغ تصل إلى 300 مليون دولار، ظلت معه بعد الزوال لتنظيم الخلافة المزعوم في العراق وسوريا، كما أكد جوتيريش، أن تهديدات « داعش » لا تزال مخيفة، على الرغم من انخفاض وتيرة الهجمات التي يشنها، وخاصة أنه انخفاض مؤقت.
أما أفرعه الرئيسية فما زالت كما هي تعمل باستقلال ذاتي نوعا ما، وما زال التنظيم الإرهابي له تمركزه في إفريقيا وجنوب شرق آسيا، فقط التنظيم يحتاج إلى قيادة جديدة، ولعل تعيين أبي بكر البغدادي نائبا له وهو عبد الله قرداش الذي أوكل له إدارة شؤون الجماعة وإعادة ترتيب أوراقها، ولم يظهر قرداش الملقب بـ »الأستاذ » مرة واحدة على سطح الأحداث، بل تدرج عبر السنوات الخمس الماضية، ليصبح أحد أهم مساعدي البغدادي العسكريين.
وتشير بعض التقارير الاستخباراتية إلى أن مهمته الرئيسة هي منع تفكك التنظيم، وإعادة ترتيب صفوفه، مستفيداً مما لديه من خبرة واسعة إبان عمله السابق في الاستخبارات العراقية، ومعرفته بطبيعة وتضاريس العراق، التي من المؤكد أنه سيستخدمها في استجلاب عناصر جديدة تزخم البناء الهيكلي للجماعة، وتعوض النقص الذي جرى في صفوفه بعد الاندحار العسكري والهزائم الثقيلة التي تعرض لها.

هل يصرف سقوط البغدادي الأنظار عن تحقيق عزل ترمب؟

يعد مقتل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش إنجازاً يُحسب للرئيس الأميركي دونالد ترمب ربما يسهم في تخفيف الانتقادات المتزايدة في صفوف أنصاره، لكن من المستبعد أن يهدئ كثيراً التحقيق الذي يجري بقيادة الديمقراطيين في تعاملاته مع أوكرانيا، حسبما ذكرت وكالة «رويترز» للأنباء.
لم يكن من الممكن أن تحدث هذه العملية في وقت أفضل من ذلك بالنسبة لترمب الذي يواجه تحقيقاً يرمي لعزله يجريه الديمقراطيون في مجلس النواب، حيث يقولون إن محاولته إقناع أوكرانيا بالتحقيق في تصرفات منافسه السياسي جو بايدن تمثل سوء استغلال للسلطة ربما عرض الأمن الوطني للخطر.
كما تعرض ترمب لانتقادات حادة من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء بسبب قراره المفاجئ سحب القوات الأميركية من شمال شرقي سوريا، الأمر الذي فتح الباب أمام اجتياح تركي لاستهداف الأكراد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
وقال لانهي تشين الباحث بمؤسسة «هوفر» الذي عمل مستشاراً لحملة ماركو روبيو في انتخابات الرئاسة عام 2016 وحملة ميت رومني في 2012: « لا أعتقد أن هذا الحدث يغير بالضرورة مسار حياتنا السياسية بأي شكل من الأشكال، لكنه من دون شك انتصار هائل للرئيس ».
وسيكون بمقدور ترمب الذي يسعى للفوز بفترة رئاسة ثانية في الانتخابات المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 التباهي بنجاح العملية خلال الدعاية الانتخابية، بوصفها سبباً آخر لبقائه في منصبه، بالإضافة إلى موقفه المتشدد من الهجرة غير الشرعية وسجله على صعيد الاقتصاد.
ولم يستطع ترمب إخفاء فرحته، فنوّه بالحدث بتفاخره المعتاد في تغريدة قال فيها: « شيء كبير للغاية حدث للتو »، مساء السبت، بعد دقائق فيما يبدو من عودة القوات الأميركية الخاصة سالمة إلى قاعدتها. وإدراكاً منه لما أتيح له فجأة من رصيد سياسي، أعلن ترمب النبأ أمس (الأحد) من غرفة الاستقبالات الدبلوماسية في البيت الأبيض، وهو يقف أمام أعلام الحرب التي نقلت خصيصاً لهذه المناسبة من المكتب البيضاوي.
وقدم ترمب تفاصيل دقيقة بل ومروعة في بعض الأحيان عن موت البغدادي والغارة التي زعم أنها «أكبر» من عملية قتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في عام 2011. وبعد ذلك، وزع البيت الأبيض كبار المساعدين المختصين بالأمن القومي على البرامج الحوارية التلفزيونية أمس (الأحد)، للحديث عن الغارة وأهميتها للأمن القومي.
وأدى النبأ إلى طوفان من الإشادات من كبار الجمهوريين، بمن فيهم السيناتور لينزي جراهام حليف ترمب الوثيق الذي وجه انتقادات قاسية لقرار الرئيس بالانسحاب من سوريا. وقال جراهام للصحافيين خلال إفادة ثانية في البيت الأبيض: « هذا سيغير قواعد اللعبة. هذه لحظة يجب أن نفخر فيها جميعاً بجيشنا الأميركي ومؤسسات مخابراتنا. إنها لحظة يقول فيها أشد منتقدي الرئيس ترمب « أحسنت يا سيادة الرئيس »
كما أشاد السيناتور ميتش مكونيل زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، الذي سبق أن انتقد قرار الانسحاب من سوريا بشدة، بنبأ مقتل البغدادي وقال إنه يشعر بالامتنان « للرئيس ترمب وفريقه على أسلوبهم في القيادة ». بل إن السيناتور كيت رومني أشد الجمهوريين انتقاداً لترمب نشر تغريدة شكر فيها الرئيس على إرسال البغدادي إلى « جهنم »
وأدى النبأ إلى هدنة قصيرة مع الديمقراطيين الذي يأملون في الفوز على ترمب في انتخابات 2020 إذا لم يستطيعوا عزله من المنصب قبل ذلك. فتلقى ترمب التهنئة من عدد من كبار الديمقراطيين منهم السيناتور جيان شاهين عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ والنائب حكيم جيفريز رئيس الهيئة البرلمانية للديمقراطيين في مجلس النواب. غير أن كثيرين سارعوا للإشارة إلى أن مقتل البغدادي لا يمثل نهاية تنظيم «داعش»، وأن ترمب لا يملك استراتيجية في المنطقة. بل وانتقدوا الرئيس لخروجه عن العرف بتقاعسه عن إطلاع جميع قيادات الكونغرس قبل الغارة.
وكان ترمب قد تعمد الاحد الإشارة إلى أنه لم يبلغ نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب خصمه الرئيسي من الديمقراطيين التي لعبت دوراً رئيسياً في التحقيق في تعاملاته في أوكرانيا بهدف عزله، وعزا ذلك إلى مخاوفه من تسرب المعلومات وتعريض حياة الجنود الأميركيين للخطر.
وقالت بيلوسي في بيان أشادت فيه بالقوات المسلحة: « لا بد من اطلاع المجلس على هذه الغارة التي تم إخطار الروس بها مسبقاً دون قيادات الكونغرس الكبرى، وكذلك على استراتيجية الإدارة عموماً في المنطقة ».
ومن المستبعد أن يصرف سقوط البغدادي أنظار النواب عن تحقيق العزل الذي اكتسب زخماً في أعقاب سلسلة من الشهادات الضارة بموقف ترمب التي يسعى الجمهوريون على نحو متزايد لتفنيد ما جاء فيها. وقال السيناتور جون ثون، ثاني أكبر الجمهوريين في مجلس الشيوخ، للصحافيين في أعقاب شهادة أدلى بها دبلوماسي أميركي رفيع في جلسة مغلقة يوم الأربعاء، إن الصورة التي يعكسها التحقيق « ليست طيبة »، وذلك في علامة محتملة على تراخي التأييد الجمهوري لترمب.
وقال تشين من مؤسسة هوفر: « في السنوات السابقة كان بوسعك أن ترى كيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى توقف التصريحات السياسية لبضعة أيام على الأقل. لا أتوقع أن يحدث ذلك هذه المرة ».

Leave a Reply