دولي

بريكست : استمرار اختبارات القوة بين الحكومة والبرلمان

أيام قليلة تفصل القارة الأوروبية عن الموعد المحدد لمغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي والمقرر لها 31 أكتوبر الجاري، على الرغم من ذلك يبدو أن المشهد البريطاني لا يزال بعيدا عن حسم الخلافات الدائرة حول هذا الملف، أو حتى الخروج بموقف موحد للمملكة المتحدة في مواجهة شركائها الأوروبيين.

الاستقطاب بين الحكومة والبرلمان

تفاءل كثيرون بعدما أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في 17 أكتوبر الجاري التوصل لاتفاق مع المفوضية الأوروبية بشأن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي « بريكست »، وتهدف النسخة الجديدة من الاتفاق إلى تجنب عودة الحدود الفاصلة بين جمهورية أيرلندا والإقليم البريطاني لأيرلندا الشمالية من خلال الاحتفاظ بالأخيرة ضمن منطقة الجمارك البريطانية مع وضع نظام خاص للبضائع الآتية من السوق الأوروبية الموحدة.
ومن ثم اعتبر جونسون أن الاتفاق الجديد يسمح بإنشاء علاقة جديدة مع الاتحاد الأوروبي على أساس التجارة الحرة والتعاون الودي وفي الوقت ذاته يضمن للبلاد استعادة السيطرة على القوانين والحدود والاقتصاد والتجارة دون انقطاع.
وفي أعقاب التوصل لهذا الاتفاق بذل جونسون جهوداً مضنية لإقناع النواب بدعم اتفاقه، وذلك عبر إجرائه محادثات هاتفية وظهوره على محطات التلفزيون داعياً النواب إلى تصور عالم « تجاوز » عقبة بريكست التي تشل الحياة السياسية البريطانية منذ 3 سنوات.
وكان من اللافت سرعة استجابة البرلمان للتعاطي مع الاتفاق حيث عقد مجلس العموم البريطاني جلسة استثنائية طارئة في السبت الموافق 19 أكتوبر الجاري كانت الأولى من نوعها التي تعقد يوم سبت منذ حرب المالوين/الفوكلاند عام 1982.
بيد أن مناقشات البرلمان البريطاني لملف بريكست في جلسته الطارئة لم تخرج عن النهج الذي تبناه خلال السنوات الماضية، حيث رفض 3 مرات الاتفاق السابق الذي توصلت إليه رئيسة الحكومة حينذاك تيريزا ماي مع بروكسل، كما أقرّ النواب في سبتمبر/أيلول المنقضي قانوناً جديداً عرف بـ »قانون بن »، يمنع جونسون من المضي قدماً في إجراءات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، ووفق هذا القانون أضحى على جونسون طلب تأجيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لمدة 3 أشهر أخرى ما لم يتمكن من إبرام صفقة، أو إقناع النواب على الموافقة على الخروج بدون اتفاق قبل حلول 19 أكتوبر الجاري.
ومع حلول هذا التاريخ عقد مجلس النواب جلسته الاستثنائية ليقر تعديلا على اتفاق جونسون الجديد بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تقدم به النائب المحافظ السابق، السير أوليفر ليتوين، يشير إلى أن النواب لن يقروا الاتفاق الجديد حتى يتم إقرار التشريعات التنفيذية له التي ينص عليها القانون البريطاني، وهذا التعديل وضع متطلبات « قانون بن » قيد التنفيذ بفاعلية، بما يعني تأجيل التصويت على الاتفاق، حتى يصبح التشريع قانوناً بعد إقراره من قبل مجلس اللوردات، ويلزم تعديل « ليتوين » القانوني جونسون بتقديم طلب لتأجيل موعد الخروج حتى نهاية ديسمبر عام 2020، وفي حال عرض الاتحاد الأوروبي على الحكومة البريطانية موعداً مختلفا عن الموعد المقترح يتوجب على أعضاء البرلمان التصويت على موعد الخروج المقترح من الاتحاد بالموافقة أو الرفض خلال يومين، وفي حال تصويت أعضاء البرلمان لصالح الخروج سواء باتفاق أو دون اتفاق، يمنح القانون رئيس الحكومة الحق في سحب أو تعديل طلب مدَّ أجل الخروج.
تؤشر نتائج التصويت على استمرار خطوط الاستقطاب في الحياة السياسية البريطانية حول ملف بريكست، حيث صوّت نواب لصالح تعديل ليتوين بواقع 322 صوتا مقابل 306 أصوات، ومن بين المعارضين لاتفاق جونسون الحزب الليبرالي الديمقراطي الوسطي 19صوتاً والحزب الوطني الاسكتلندي القومي 35 صوتاً يعارضان بريكست أساساً، وحزب العمال 242 صوتاً يرى أنّ الاتفاق يضعف حقوق العمال، بينما يعتبر الخضر « صوت واحد » أنّه لا يحترم البيئة.أما أشد معارض لاتفاق جونسون فهم الوحدويون في أيرلندا الشمالية الممثّلون بالحزب الوحدوي الديمقراطي « 10 أصوات »؛ إذ يعدون أنّ الاتفاق يمنح مقاطعتهم وضعاً مختلفاً ويعزلها عن بقية بريطانيا.

وقد جاءت ردات فعل حكومة جونسون على موقف البرلمان لافتة للانتباه، حيث أصر ممثلو الحكومة على فضهم لنهج البرلمان، فأكد جونسون أنه لن يتفاوض مع الاتحاد الأوروبي على تأجيل موعد بريكست، وأن القانون لا يلزمه بذلك، فيما أصر كبير مخططي الحكومة البريطانية بشأن بريكست مايكل غوف أنّ بلاده ستغادر التكتل في نهاية الشهر الجاري، وأنها تملك الوسائل والمهارة لتحقيق ذلك ».
بيد أن التداعيات السلبية للخلاف بين البرلمان والحكومة في هذا السياق قد تكرست على نحو لافت مع خروج رسالتين متناقضين من لندن إلى بروكسل، الأمر الذي يضع العديد من علامات الاستفهام حول صورة بريطانيا كديمقراطية عريقة ودولة مؤسسات.
بموجب القانون كان جونسون مجبرا على إرسال خطاب لرئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك يطلب فيه تأجيل بريكست، وقد اقترح البعض على رئيس الوزراء رفض كتابة الرسالة، محتجين بأنه يمكن لجونسون الاعتماد على العملية القانونية التي ستستغرق أكثر من 12 يوماً بما يمكنه من تجاوز الموعد النهائي لبريكست قبل أن يضطر إلى طلب التمديد، إلا أن جونسون رفض هذا الاقتراح بعد أن حذره خبراء دستوريون من أنه سيواجه هزيمة شبه مؤكدة، ومن ثم قام بإرسال الخطاب إلى بروكسل لكنّه رفض توقيعه، بل وأرفق معه خطابا آخر يظهر بوضوح أنه لا يريد إرجاء بريكست إلى ما بعد نهاية هذا الشهر.
الاتحاد الأوروبي وخيار التمديد
وافق الاتحاد الأوروبي بالفعل مرتين على تأجيل بريكست الذي كان مقررا له موعد أصلي في 29 مارس المنقضي، ويرى كثيرون أن بروكسل ما عادت ترغب في قبول تمديد إضافي في هذا السياق، وهذا ما يتأكد مثلا مع تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن أي تأجيل جديد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي « ليس في صالح أحد ». فضلا عن تصريحات وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب أنه استنادا إلى محادثاته مع عواصم الاتحاد الأوروبي الأخرى « لقد سئموا من هذا الآن ». وتحذيرات الوزير غوف من افتراض أن قادة الاتحاد الأوروبي سوف يوافقون على تمديد موعد بريكست.
بيد أن بروكسل تبدو مضطرة في الوقت ذاته على التعامل مع حالة عدم اليقين من جانب بريطانيا، ففي حين سارعت المفوضية الأوروبية إلى مطالبة الحكومة البريطانية بتوضيح « الخطوات المقبلة » الواجب اتخاذها بعد تصويت مجلس العموم، كان عليها في الوقت ذاته المضي قدما في خططها للمصادقة على الاتفاق فيما يدرس قادة الاتحاد طلب التأجيل الذي أرسله جونسون دونما توقيع.
رغم ذلك تشير بعض التقديرات إلى أن بروكسل تبقي جميع الخيارات متاحة، وبرزت توقعات بأن يقبل الاتحاد الأوروبي تأجيل خروج بريطانيا من التكتل، وستتراوح خيارات التمديد بين شهر إضافي، أي إلى آخر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ونصف عام أو أكثر إذا عجز رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون عن إقناع البرلمان باتفاق الانسحاب، بيد أن التمديد في هذه الحالة سيكون « مرنا » ما يعني أن بريطانيا يمكن أن تنسحب من الاتحاد في نوفمبر أو ديسمبر أو يناير إذا أقر البرلمان الاتفاق قبل انتهاء فترة التمديد.

الخيارات المتاحة أمام جونسون
يبدو أن مآلات ملف بريكست تدفع جونسون لتصعيد المواجهة مع البرلمان، فمن غير المتوقع أن يكرر جونسون سيناريو استقالة سابقته تيريزا ماي، وهذا ما يتأكد من استخدامه لغة أكثر حزما في مواجهة المؤسسة التشريعية منها تأكيده أنه « على هذا البرلمان أن يتنحى جانبا ويترك هذه الحكومة تتمم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو أن يمرر اقتراعا بسحب الثقة ويواجه في نهاية الأمر ‬‬‬يوم الحساب من الناخبين ». ووفق هذا السيناريو، قد تُشكل حكومة بديلة وتستلم الإدارة من جونسون إذا أثبتت أنها تحظى بثقة غالبية النواب، بيد أنه من المتوقع ومن الممكن من الناحية النظرية أن يرفض رئيس الوزراء مغادرة منصبه، وهذا الخيار قد يضع الملكة في موقف غير مسبوق؛ لأنها قد تضطر إلى إقالته.
من ناحية أخرى، يمكن لجونسون إحداث تغيير في مسار القضية عبر تكثيف جهوده لإقناع دولة أوروبية واحدة فقط برفض التمديد؛ إذ تجب موافقة جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أي تمديد لموعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ لذلك من الناحية النظرية، يمكن لجونسون السعي إلى إقناع دولة أوروبية واحدة فقط باستخدام حق النقض « الفيتو » ضد التمديد، ما يعني أنه سيكون على البرلمان البريطاني إما تقبل الاتفاق الذي توصل إليه جونسون مع بروكسل أو تحمل عواقب فكرة مغادرة بريطانيا للاتحاد دون اتفاق بما يشمله ذلك من اضطرابات حدودية واقتصادية، أو ربما تصبح جميع الأطراف المعنية مضطرة لقبول فكرة إجراء استفتاء شعبي جديد بشأن مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي.

Leave a Reply